من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٧ - الدعوة على الكافرين
وانتظار الفرج تحافظ على مستوى النشاط والحيوية في الرساليين، وفي تلك الاجواء المنغلقة كانت إقامة الصلاة والبشارة ضرورة هامة، لكي لا يفقد المؤمنون روح النشاط والترابط.
الدعوة على الكافرين
[٨٨] وبعد الفصل الاجتماعي بين الفئة المؤمنة والأغلبية الكفارة، حانت المرحلة الثانية حيث دعا موسى ربه بأن يسلب من فرعون وملأه المفسدين ما أعطاهم من الثروة والسلطة.
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قيل بأن الزينة هي: (الحلي والثياب)، وقال البعض إنها: (الجمال وصحة البدن)، واعتقد أن الكلمة زِينَةً شاملة أيضاً لحسن الذكر والهيبة الاجتماعية، مما يكون جانبا من السلطة، إذ السلطة تعتمد على عامل مادي هو المال، وعامل معنوي هو تسليم الناس لها، واعتبار المشرفين عليها أفضل من غيرهم رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ فالسلطة يجب أن تكون سبباً لسعادة الناس، وليس طريقاً لضلالة الناس عن سبيل الله، كما فعل فرعون وملأه فاستحقوا العذاب، ويبدو لي أن لفظة (اللام) في كلمة لِيُضِلُّوا لا تدل على العاقبة، ولا على الهدف والغاية، بل بمعنى الاستفهام، أي هل كان المال والزينة بهدف ضلالة الناس أم بهدف هدايتهم واسعادهم؟! بالطبع الجواب أنه كان بهدف الهداية، إذ أن فرعون وملأه كفروا بنعمة السلطة وينبغي أن يسلبها الله منهم.
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ أي اجعلها بحيث لا ينتفعون منها، كما تطمس الديار بالرياح فتمحوا آثارها، فمثلًا مع انعدام الأرزاق، وقلة السلع، وافتقاد الأمن في سبل التجارة لا ينفع المال شيئاً، ومع انتشار الأوبئة والأمراض السارية، والجفاف وسوء الطقس لا ينفع المال شيئاً، ومع انتشار الإرهاب، وتسلط الظلم، والغلاء الفاحش لا ينفع المال شيئاً، وهكذا يفعل الله بمن لا يشكر نعمة المال فيسلب فائدته.
وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ أي إنزع اللين والإنفتاح من قلوبهم حتى تصبح قلوبهم متحجرة، ومنغلقة، والتحجر يسبب فقدان العواطف والاحاسيس، وبالتالي فقدان الترابط الاجتماعي بين أبناء الفئة الحاكمة، كما أن الانغلاق يمنع التطوير والتقدم، ويسبب الجمود على الأفكار السابقة، وهكذا يزول حكم هؤلاء بسبب الشد على قلوبهم، لأن السلطة التي عبر عنها القرآن- فيما يبدو لي- بالزينة مستحيلة مع التفتت والجمود.
ومن أبرز مظاهر الجمود إن صاحبه لا يؤمن بالحقائق إلّا بعد فوات الأوان فَلا يُؤْمِنُوا