من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - ثقافة التبرير
سريع يلحق بالبشر في الدنيا، وقبل الوقت الذي يسوف العاصي فيه التوبة، ويمني نفسه بتأخر العذاب.
ثم إن عقاب الله ما دام ثابتاً لا محالة، فإن كل آت قريب يحدوه إليه الليل والنهار بسرعة فائقة، ولا يقدر البشر على الفرار منه إلا إليه سبحانه، وبالعودة إلى مناهجه، وإصلاح الفاسد، ذلك لأن رحمة الله واسعة وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
نتائج الظلم الاجتماعي
[١٦٨] الظلم الذي مارسه بنو إسرائيل من هتك حرمة السبت كان ظلماً اجتماعيًّا عاماً وسبباً في تبدل النظام السياسي، وتسلط الطغاة على الحكم وقيامهم باضطهاد الشعب،
(كَمَا تَكُونُوا يُوْلّى عَلَيْكُم)
[١] وكان من نتائج هذا الظلم الاجتماعي وأشباهه الانهيار في مجتمعهم، حيث تساقطت حدود المجتمع وتفرقت بنو إسرائيل مجموعات .. مجموعات ..
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمْ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وكانت تلك بدورها مرحلة من مراحل سقوط هذا المجتمع المؤمن، حيث تفرقوا واختلفوا، ولكن بقيت فيهم أمة صالحة وأمم متدرجة في الصلاح، ولكن الله أنزل عليهم الحسنات حيناً والسيئات حيناً لكي يختبرهم ويمتحن مدى صمودهم أمام إغراء الحسنات وعذاب السيئات وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ حيث أن فلسفة الاختبار هي: ظهور ما خفي على الإنسان من واقعه الضعيف حتى يصلحه ويكمل نفسه.
ثقافة التبرير
[١٦٩] أما المرحلة الأخطر التي هبط إليها بنو إسرائيل فقد كانت انتشار الثقافة التبريرية التي تتخذ من الدين ستارا لاتباع الشهوات، كما هو الحال عند بعض المسلمين حيث إنهم يعملون المعاصي بعد التحايل على الدين، بزعمهم بطريقة أو بأخرى، فيرابون باسم البيع، ويسكتون عن الظالم بتبرير أنه من أولى الأمر، أو باسم أن العصر هو عصر التقية والانتظار، أو يشجعون الخلافات باسم أنها الأولى بالاهتمام، وهكذا .. كانت بنو إسرائيل في هذه المرحلة تتوسل ببعض النصوص وتفسرها حسب آرائها، وتعمل المعاصي باسمها.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ولكنهم لم يعملوا به وإنما كانوا يَأْخُذُونَ
[١] كنز العمال: ج ٦ ص ٨٩، مستدرك سفينة البحار للنمازي الشاهرودي: ج ٧ ص ٤٣٥.