من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٥ - بينات من الآيات لماذا العجل؟
يهدي الناس إلى سبل السعادة، وهذا العجل لا يفعل ذلك، وهكذا ظلموا أنفسهم وحين انكشفت لهم الحقيقة ندموا وعرفوا مدى الضلالة التي وقعوا فيها قالوا: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين، وهذا الدعاء يكشف أن قوم موسى تجاوزوا مرحلة الصنمية بعد التوبة.
وعندما عاد موسى عليه السلام من مناجاة ربه غضب، وكان آسفا كيف عبد قومه العجل ونادى فيهم، بئسما خلفتموني من بعدي، أهكذا ينقلب الناس بعد غياب قادتهم، وألقى موسى الألواح التي كانت برفقته وفيها رسالات الله، ألقاها جانبا لأنها لا تنفع قوما تركوا الإيمان إلى الشرك، وأخذ برأس أخيه هارون وهو يستفسر منه الوضع، ويسحبه من ذلك القوم الضال، ولكن هارون عليه السلام وضح له الحقيقة وهي: أن قومه استضعفوه، وأنهم هموا بقتله، ولذلك فهو اتقاهم حتى يعود موسى عليه السلام وطلب هارون من أخيه بألا يشمت به الأعداء، ولا يجعلهم يفرحون بمعاملة موسى لأخيه المعارض لهم، كما طلبه بألا يفسر سكوته الظاهر بأنه نابع من رضاه بالوضع، كلا .. بل إنه كان سكوتاً غاضباً بانتظار الفرج القريب.
بينات من الآيات: لماذا العجل؟
[١٤٨] لماذا عبد بنو إسرائيل في غياب موسى إلى الطور العجل، واتخذوه إلههم؟.
يبدو أن رواسب الجاهلية الفرعونية التي عاش بنو إسرائيل في ظلها قرونا، والتي كانت تعبد العجل وتتخذ منه رمزاً للرخاء الزراعي، إنها كانت السبب في صناعة العجل، إلا أن الحلي من الذهب والفضة كانت مادة لهذه الصناعة، لأن بني إسرائيل حين رحلوا عن أرض مصر حملوا معهم حليهم، وكانوا يعتزون بها باعتبارها الرصيد الاقتصادي الوحيد الذي كانوا يملكونه، فحين ظهرت رواسب الجاهلية الكامنة على السطح، صنعوا من الحلي عجلا، فهم في الواقع كانوا يعبدون الذهب والفضة والرخاء باعتبار أن شكل العجل يدل على ذلك الرخاء، وباعتبار أن العجل صنع من الحلي.
وهكذا دلت الحادثة على أن التحول السياسي الذي حدث في بني إسرائيل لم ينعكس على ثقافتهم، وكانوا يحتاجون إلى ابتلاء ليظهر واقعهم فيعالجه المصلحون، وربما لذلك واعد ربنا موسى ثلاثين يوماً ثم أضاف إليها عشرا حتى يكون الجو مهيئا للسامري بأن يشيع نبأ كاذباً هو: أن موسى عليه السلام قد مات، ويظهر واقع السامري وما كان ينتظره من موت موسى ليخرج بدعته، وهكذا وقع السامري في المكر الإلهي.