من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٩ - بين الظن والحق
سلب الله منه عقله وعلمه، أولا يصبح مثاراً للسخرية؟! وهذا الصنم الحجري الذي يعبده الجاهلون هل يهدي أحداً؟!.
فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ولماذا تقيسون الشركاء برب العالمين؟ ويبدو لي أن الآية الكريمة تشير إلى أولئك الشركاء الذين يتخذهم الناس أرباباً فكريين، ويأخذون منهم علومهم وثقافتهم من دون الله، ومن دون تمحيص، فقد جاء في حديث شريف
(مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ عَنِ الله فَقَدْ عَبَدَ الله وإِنْ كَانَ النَّاطِقُ عَنْ إِبْلِيسَ فَقَدْ عَبَدَ إِبْلِيسَ)
[١]. وجاء في حديث آخر في تفسير الآية الكريمة اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه قال الإمام الباقر عليه السلام
(وَالله مَا صَلَّوْا لَهُمْ وَلَا صَامُوا وَلَكِنْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ الله)
[٢]. وفي حديث ثالث عن المفضل بن عمرو عن الإمام الصادق عليه السلام
(مَنْ دَانَ اللهَ بِغَيْرِ سَمَاعٍ مِنْ عَالِمٍ صَادِقٍ أَلْزَمَهُ اللهُ التِّيهَ إِلَى الغنا، ومَنِ ادَّعَى سَمَاعاً مِنْ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَهُ اللهُ لِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وذَلِكَ الْبَابُ هُوَ الْأَمِينُ الْمَأْمُونُ عَلَى سِرِّ الله الْمَكْنُونِ)
[٣]. وفي حديث آخر عن جابر عن أبي جعفر الباقرعليه السلام
(مَنْ دَانَ اللهَ بِغَيْرِ سَمَاعٍ مِنْ صَادِقٍ أَلْزَمَهُ اللهُ التِّيهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
[٤]. وجاء في تفسير قول الله عز وجل وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ عن أبي نصر عن أبي الحسن قال عليه السلام
(يَعْنِي مَنِ اتَّخَذَ دِينَهُ رَأْيَهُ بِغَيْرِ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى) [٥].
إن اتباع أحد بصورة مطلقة ومن دون الإنتفاع بعقولنا، إنه نوع ظاهر من أنواع الشرك بالله، لأن أهم اضرار الشرك هو إضلال الإنسان في الحياة.
بين الظن والحق
[٣٦] ولأن الشرك والطاعة العمياء للأصنام وكهنتها، ورموز السلطة والثروة والرجعية- لأنه يسلب العقل ويلغي دوره- فإن المشركين يتبعون التصورات والظنون وهي لا تجديهم شيئاً، ذلك لأن الظن يعكس حالة صاحبه النفسية، ولا يعكس الحقيقة الخارجية، والإنسان زود بالعقل من أجل أن ينسق بين واقعه وبين الحقائق الخارجية، ويدرأ عن نفسه أخطار هذا الواقع، ومثل هؤلاء كمن يرسم خريطة وهمية عن منطقة ثم يسير عليها دون أن يعتمد على عينه وأحاسيسه وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً.
[١] وسائل الشيعة: ج ١٧، ص ١٥٣.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢٧ ص ١٣٣.
[٣] مستدرك الوسائل: ج ١٧ ص ٣٠٨.
[٤] وسائل الشيعة: ج ٢٧ ص ٧٥.
[٥] الكافي: ج ١ ص ٣٧٤.