من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤ - زنزانة الحياة
الرسالة، ثم يبين الله لهم الحقائق لأنه سبحانه كان شاهدا عليها ولم يكن غائبا عنها، ثم بعد الحساب الدقيق يوزن إيمان وأعمال العباد، فمن كانت موازينه ثقيلة فإنه من أهل الجنة والفلاح، بعكس ذلك الذي كانت موازينه خفيفة أنه قد خسر نفسه، وضيع الفرصة عليها، والسبب أنه حين جاءته الآيات الكريمة لم يستمع إليها حتى يهتدي بها ولا يظلم نفسه ..
بينات من الآيات
[١] المص هذه هي فواتح السور التي قيل عنها أشياء كثيرة قد يكون أغلبها صحيحا، باعتبار القرآن الكريم ذو أبعاد مختلفة، بيد أن من الممكن أن تكون هذه الأحرف رمزا تدل على ذاتها دون أي شيء وراءها، كما سبق وأن تحدثنا عنه في سورتي البقرة وآل عمران، وعلى هذا الأساس تكون الكلمة التالية لها خبرا لها.
ربانية الكتاب
[٢] ولم يكن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه واله ولا من نبوغه، بل هو كتاب أنزله الله، وأحد أبسط الأدلة على ذلك أن صدر الرسول يكاد يضيق به، ولذلك أمر الله رسوله بأن يتسع قلبه الشريف لهذه الرسالة.
كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ الرسالة بحاجة إلى سعة الصدر حتى يتحمل الفرد ثقل الحقائق التي فيها وحتى يتحمل جهد العمل بها، وصعوبات تبليغها، وسعة الصدر يأتي من الإيمان بالغيب، بالمستقبل البعيد، بالآفاق الواسعة، ومن التوكل على الله، والثقة بالقدرات التي أودعها في كيان البشر، والإمكانيات التي سخرت له، وبالتالي فإن سعة الصدر نابعة من الخروج عن زنزانة الذات، والانطلاق في رحاب الله من أجل خدمة البشرية جميعا.
زنزانة الحياة
إن الشهوات، والآمال والطموحات الخاصة، والجهل بالمستقبل، والانحسار ضمن اللحظة الحاضرة كل تلك جدران معتقل البشر التي تضيق عليه رحاب الكون فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام: ١٢٥].
وعلى من يريد حمل رسالة الله سبحانه أن يتمتع بسعة الصدر بهذا المفهوم الواسع للكلمة، والهدف من الكتاب هو: إنذار غير المؤمنين، وتذكرة المؤمنين حتى يزدادوا إيمانا لِتُنذِرَ بِهِ