من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٠ - واجب الإنسان
كيف نصفي الشوائب
[١٥٥] ولا تزال في نفوس بني إسرائيل بعض الرواسب الجاهلية، لذلك قام موسى بعملية جديدة من أجل ترسيخ دعائم التوحيد في النفوس، وذلك حين اختار سبعين شخصا من قومه ليرافقوه في مناجاته بطور سيناء، وكان هؤلاء يمثلون الشعب، وينقلون طلباته لله سبحانه، فجاء هؤلاء وطلبوا رؤية الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فقضت عليهم، إلا أن موسى دعا ربه بإعادتهم إلى الحياة وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا حيث طلبوا من هؤلاء السبعين رؤية الله فنقل هؤلاء طلب السفهاء إلى الله، أجل .. كانت تلك فتنة امتحن الله بها عباده، فمن اهتدى فإنما بفضل الله سبحانه، ومن ضل فإنما بإذن الله. إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ أن ربنا سبحانه يجري تحولات اجتماعية، وتغييرات طبيعية من فقر وغنى، وصحة ومرض، وعزة وذلة، وحر وبرد، ورخاء وقحط، كل ذلك بهدف امتحان البشر ليستخرج كلما في ذاته من قوة أو ضعف، وقدرة أو عجز، ولكي يصلح نفسه ويكمل نواقصه، فمن اهتدى إلى هذه الحقيقة، وتوكل على الله، واستغفر من ذنوبه، وسعى من اجل إصلاح ذاته، فان الله سيرحمه ويغفر له، انه يرحمه بتكميل نواقصه، ويغفر له بإصلاحه لها.
واجب الإنسان
[١٥٦] والله سبحانه يكتب للناس ويقدر لهم الحسنات والسيئات حسب أعمالهم، ومدى إيمانهم أو كفرهم، ويبقى على الإنسان أن يتطلع إلى اكتساب الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة، ويعمل من أجلها حتى يبلغ مناه، أن التطلع إلى الأفضل يخلق في القلب دافعا إلى العمل، وآنئذ يحتاج البشر إلى الخطة المتكاملة ليتحرك عبرها نحو الهدف، وتلك الخطة هي مناهج الله سبحانه، لذلك قال أصحاب موسى* وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ أن هذا التطلع السامي الذي يمكن ضمانة تنفيذه عن طريق التوكل على الله، والثقة بأنه سوف يكتب ذلك، إنه من أبرز سمات المؤمنين الصادقين، إلا أنه بحاجة إلى عمل جاد، لذلك بين الله سبحانه ذلك قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ أن عذاب الله مهيأ للمذنبين، بيد أن الأصل هو رحمة الله التي وسعت كل شيء، فتلك الرحمة هي مهوى تطلع البشر، ومعتمد إيمانه وتوكله، ومنطلق تحركه.