من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٤ - الوعد الحق
التذكير بالآخرة نقطة الانطلاق
[٥٤] الإنسان بفطرته مؤمن، ولكن دواعي الشهوة والطيش والغرور، والجهل تمنعه عادة عن الارتفاع إلى مستوى الإيمان، ويهدم القرآن جدار الغرور بتذكير البشر بيوم فاقته، حين يحين ميعاد جزائه على ظلمه لنفسه، عندما يتمنى لو كان يملك ما في الأرض جميعاً ليفتدي بها عن نفسه، فيخلصها من العذاب، ولكن هيهات!.
وهنا لابد أن يتذكر الإنسان بأن المهم ليس ما يملك لأنه يزول عنه، ولكن نفسه وعمله هما الباقيان.
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ظلماً ذاتيًّا بارتكاب المعاصي، أو ظلماً اجتماعيًّا باغتصاب حقوق الآخرين، لو أنها كانت تملك مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وربما كان معنى أسرار الندامة الشعور بها عميقاً في سرهم، وليس بمعنى اخفائها، لأنه لا أحد يقدر على كتمان حالته يوم القيامة، ولكن من المسؤول عن ندامتهم أوليست أنفسهم! وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالدقة التامة دون أي زيادة أو نقيصة وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
الوعد الحق
[٥٥] ولو زعم الكفار أن اعادة بعث الناس مستحيل، أو زعموا أن جزاءهم في الدنيا غير وارد، فليعلموا أن الله هو مالك ما في السماوات والأرض وأن وعده حق أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ولو كان لهؤلاء العلم بالكون وقوانينه، وسنن الله الحاكمة فيه، لعرفوا أن كل عمل يتحول إلى جزاء عاجلًا أو آجلًا، خيراً أو شراً، تلك هي أبسط قاعدة حياتية، فكيف لا تنتهي حياة الناس بالجزاء الشامل يوم القيامة؟.
[٥٦] والله يحي ويميت، فهو قادر على إحياء الناس بعد موتهم، ولذلك فنحن نرجع إليه للحساب هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
[٥٧] والله الذي يذكرنا بنفسه ينزل القرآن الذي يتفجر من خلاله التذكرة بالله، وهو موعظة من رب العالمين، فالذي وفر للعاملين أسباب معيشتهم، وهداهم إليها بالغريزة والعقل، هو الذي أنزل القرآن ليكون جسراً بين الحقيقة والسلوك، ويوجه البشر إلى الإصلاح ويحذرهم من الفساد، والسبيل الذي يتبعه الذكر لبلوغ هذا الهدف هو: تزكية النفوس وتهيئتها