من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - بينات من الآيات ظلم الحقائق
وجاء موسى عليه السلام إلى فرعون ليعرف نفسه بأنه رسول رب العالمين، وأنه يجب ألا يقول على الله إلا الحق، وانه جاء ببينة من الله عزوجل وبرسالة هي إنقاذ بني إسرائيل المستضعفين.
وتحدى فرعون موسى عليه السلام وطالب بالآيات إن كان صادقا، واستجاب موسى عليه السلام لتحديه فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين.
وهكذا بدأ الصراع بين فرعون ورسول الله الذي يحدثنا السياق عنه عبر دروس عديدة.
بينات من الآيات: ظلم الحقائق
[١٠٣] الظلم قد يقع على البشر وقد يقع على فكرة أو حقيقة، والبشر المظلوم لا بد أن يأخذ حقه عاجلا أم آجلا، كذلك الحقيقة المظلومة التي ترك الظالم العمل بها أو حتى الاعتراف بها، وحين تظلم الحقيقة يعم الفساد، وعاقبة الفساد هي الهلاك، وهكذا كانت قصة موسى مع قومه ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد تلك الرسالات وأولئك الرسل مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ كما في المجتمعات السابقة كذلك في مجتمع فرعون، كان الناس منقسمين إلى الملأ وهم كبار القوم والعامة، بيد أن ثمة مؤشر لتطور المجتمع الفرعوني أكثر من سابقيه، وهو صيرورة الأقسام ثلاثة (فرعون- الملأ- العامة) وفي الآيات القادمة ما يكشف عن أهية ثنائية (فرعون- الملأ) فَظَلَمُوا بِهَا أي بتلك الآيات، والآيات هي العلامات التي تدل على الحقيقة، والظلم بها يعني: ظلم الحقيقة، أو بالأحرى ظلم الإنسان لنفسه عن طريق ظلم الحقيقة وكفره بآياتها.
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أو لم يهلكوا بخزي وعار، إن الفساد هو كل حركة مخالفة لسنن الله في الحياة، ومخالفة لآيات الحقيقة، وإذا تدبرنا في هذه المجموعة من الآيات ابتداء من الآية (٥٦) من هذه السورة حيث تقول وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وحتى آخر القصص التي تحكي عن صراع الأنبياء مع مجتمعاتهم الجاهلية يتبين لنا هذا المعنى العام للفساد وهو مخالفة سنن الله وآيات الحقيقة.
[١٠٤] والله سبحانه يصلح العالم، وينزل عليه بركاته، ويكمل وجوده ويطوره نحو الأفضل، فهو رب العالمين، ولذلك فهو يبعث رسولا من لدنه إلى البشر لذات الغاية التي من أجلها سخر الشمس والقمر والنجوم، ولذات الهدف الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.