من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٤ - بينات من الآيات الكفر بعد الإيمان
ذلك كان بلاء عظيما، وتزكية لنفوسهم، وحين أنجاهم الله يعودون للكفر.
ويمكننا أن نستلهم من هذه القصة كيف أن الأمم تفسد بعد الإصلاح، وكيف أن التوجيه ينفعها، وأن السقوط ليس سنة حتمية.
بينات من الآيات: الكفر بعد الإيمان
[١٣٨] هيأ الله أسباب النجاة لبني إسرائيل، تلك الأمة الفتية التي تستعد الآن لبناء حضارتها بعد تخلصها من سلطة الطاغوت، فتركوا أرض مصر باتجاه فلسطين بعد أن هيأ الله لهم أسباب العبور على البحر، وقبل أن تجف أقدامهم من آثار العبور أصيبوا بنكسة إيمانية، حيث مروا على قوم يعبدون أصناما لهم فطالبوا موسى عليه السلام وهو رسولهم وقائد مسيرتهم باتخاذ إله لهم كما لأولئك القوم وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ إن بني إسرائيل كانوا يعيشون تحت سيطرة الطاغوت سياسيا وثقافيا، وكانت علاقاتهم الاقتصادية ببعضهم منسوجة حسب تلك السيطرة، وقام موسى عليه السلام والمؤمنون من أصحابه بتفجير ثلاث حركات متتالية لإنقاذ قومه من السيطرة- السياسية، فالثقافية، فالاقتصادية- (وقد سبق الحديث عن ذلك في تفسير سورة البقرة) [١]، ويبدو أن هذه المرحلة هي مرحلة الثقافة التي تحمل في طياتها تصفية آثار السيطرة السياسية أيضاً.
إن قوم موسى عليه السلام عاشوا ردحاً طويلًا من الزمن وهم يعانون الذل والخضوع والاستسلام للآخرين، وكانت السياسة الطاغوتية لفرعون هي التي فرضت عليهم هذه الحالة، ولكنهم على أي حال تأثروا بها نفسيا، فحين أنقذهم الله غيبيا بقيت آثار تلك السيطرة عالقة بنفوسهم، ولم يقدروا على ممارسة حريتهم والحضور في ساحات الحياة، واتخاذ القرارات المناسبة فيها اعتمادا على أنفسهم، لذلك حنوا إلى حالتهم السابقة فطالبوا موسى بإله- كما لهم آلهة- والإله هو السلطان الاجتماعي والسياسي والثقافي، ورمز هذا الإله هو الصنم، وبنو إسرائيل في هذه الصفة كانوا تماماً مثل الشعوب التي تتحرر من الاستعمار السياسي، ولكنها تقلد الغرب أو الشرق في أنظمتها وثقافتها، وكأنها تخرج من الاستعمار القسري وتعود إلى الاستعمار اختياريا، وذلك لاستمرار قابلية الاستعمار في أنفسهم.
[١] راجع الجزء الأول، ص: ١٩٦.