من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥١ - دروس من حنين
وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ فبالرغم من الكثرة العددية تجد الجميع مغلولين مكبلين لأن فاعلية كل جهة موجهة ضد فاعلية الجهة الثانية، فهي كثرة متنافرة يزاحم بعضها بعضاً ويفت بعضها في عضد الآخر ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ وانهزموا بفعل اختلافهم أمام عدوهم الأكثر تماسكا منهم، كما انهزم المسلمون اليوم أمام الصهاينة، وهكذا تخسر الأمة المفتتة معاركها الحضارية مع اعدائها.
[٢٦] ولكن بقيت مجموعة متماسكة ذات قيادة رسالية، بقيت صامدة في إطار هذه الكثرة المنهزمة فأنزل الله سكينته عليهم ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فسكنت نفوسهم برحمة الله، واطمأنت إلى نصره، وهكذا كانت الرسالة هي خشبة الخلاص في زحمة أمواج الهزيمة وَأَنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وكان من أبرز واجبات هؤلاء الجنود الذين كانوامن الملائكة .. تثبيت قلوب المؤمنين، وإعادة الثقة والبشارة إلى انفسهم كما في حرب بدر.
جاء في حديث ماثور عن الإمام الرضا عليه السلام انه قال
(السَّكِينَةُ رِيحٌ مِنَ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ طَيِّبَةً لَهَا صُورَةٌ كَصُورَةِ وَجْهِ الْإِنْسَانِ فَتَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاء)
[١]. وقد تكون الملائكة المنزلين هي السكينة أو هم حملة السكينة وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ فالله لا يتدخل في الصراعات الاجتماعية عبثاً، بل إنما في الوقت الذي يكفر جانب ويؤمن ويصمد جانب آخر، فيجازي الكافر بكفره.
[٢٧] ولكن الهزيمة ليست نهاية أمة بل هي تجربة قد تصقل نفوسهم وتحدد أسباب ضعفهم، ويتوبون إلى الله من ذنوبهم فيتوب الله عليهم وينتصرون ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
[١] بحارالأنوار، ج ٢١، ص ١٤٧.