من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٥ - العمل الصالح جوهر لا مظهر
وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ إن الجهاد هو ذلك المقياس الذي لا يخطأ إذا كان في إطار الإيمان لأنه تحد للشهوات والأهواء ومقاومة للطاغوت، وبلورة للإرادة.
إن كثير من أولئك الذين يبررون تقاعسهم عن الإيمان والجهاد وعما يتطلبه الجهاد من مساع وتضحيات.، يبررونه ببعض الأعمال الظاهرية ذات اللافتة العريضة، والخواء الواقعي، مثل طبع نسخ المصحف الشريف وتفاسيره وكتب التراث، وإجراء الحدود على المستضعفين فقط.
وكلما خالفت السلطات الطاغوتية نصوص الدين في منح الحرية والرفاه وتوفير العدالة للناس، كلما أكثرت من ترديد الشعارات البراقة، وتسمية الشوارع والمدارس باسم الحرية والرفاه والعدالة، وتزيد من رواتب علماء الدين المرتبطين بها وبناء المعاهد الدينية الفاقدة لروح الرسالة، فكلما تخالف تعاليم الإسلام في التحرر والاستقلال تزيد التمسك من ظواهر الأموار وتحارب المصلحين باسم المفسدين أو الإرهاب.
وكما يصنعه الطاغوت، يفعله التجار الكبار الذين يتحالفون مع الحكام الظلمة، ويمتصون دماء المحرومين، ولكن يقدمون فتات موائدهم للفقراء، ويبنون مستشفى أو مستوصفاً أو يُعبّدون طريقاً، أو ما شابه، في الوقت الذي يتركون الناس وحدهم في مواجهة الظالمين والمستكبرين.
وكلمة اخيرة: إن كل واحد منا يمكن أن يصبح طاغوتاً أو متحالفاً مع الطاغوت، ويبتلى بخداع ذاتي لا يغفره الله ولا الضمير ولا التاريخ، فعلينا أن نتمسك بمقياس دقيق لكي نمنع عن أنفسنا مرض الخداع الذاتي، ذلك المقياس هو الجهاد، ففي اللحظة التي تشعر أنك تسترخي وتترك مقاومة الإنحراف فقد استسلمت وخارت إرادتك، ويمكن أن تنتهي واقعيًّا ودون أن تشعر بذلك لأن الهداية تتأثر بعمل الإنسان وتصميمه ومشيئته، فالظالم لا يهتدي، لذلك أكد القرآن في نهاية الآية وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فالظالمون قد تورطوا في الضلالة وهم يحسبون أنهم مهتدون، والله يدعهم لأنفسهم ويتركهم لشأنهم.
[٢٠] في المقياس الإسلامي يعطى الجهاد الأولوية، ثم تترتب سائر الأعمال الخيرية مثل: عمارة المساجد، وبناء المدن، لأن أهم شيء عند الإنسان هو تحرره عن التسلط السياسي والاستغلال الاقتصادي، وبناء المؤسسة الاجتماعية الصالحة وبعدئذ يأتي دور الإعمار.
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ من أجل إقامة حكومة الله في الأرض، حكومة الحرية والعدالة والاستقلال، هؤلاء أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ