الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤ - الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن
المظلمة عن سماء أرواحهم، فلا خوف من عذاب إلهي، و لا وحشة من موت و فناء، و لا قلق، و لا أذى الماكرين، و لا اضطهاد الجبابرة القساة الغاصبين.
اعتبر بعض المفسّرين ذلك الغمّ و الحسرة إشارة إلى نظير ما يتعرّض له في الدنيا، و اعتبره البعض الآخر إشارة إلى الحسرة في المحشر على نتائج أعمالهم، و لا تضادّ بين هذين التّفسيرين، و يمكن جمعهما في إطار المفهوم العام للآية.
«الحزن»: (على وزن عدم)، و «الحزن»- على وزن عسر- كليهما لمعنى واحد كما ذهب إليه أرباب اللغة، و أصله الوعورة و الخشونة في الأرض و اطلق على الخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغمّ و يضادّه الفرح [١].
ثمّ يضيف أهل الجنّة هؤلاء إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.
فبغفرانه أزال عنّا حسرة الزلّات و الذنوب، و بشكره و هبنا المواهب الخالدة التي لن يلقى عليها الغمّ بظلاله المشؤومة. غفر و ستر بغفرانه الكثير الكثير من ذنوبنا، و بشكره أعطانا الكثير على أعمالنا البسيطة القليلة القليلة! أخيرا تنتقل الآية مشيرة إلى آخر النعم، و هي عدم وجود عوامل الإزعاج و المشقّة و التعب و العذاب، فتحكى عن ألسنتهم الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ.
الدار الآخرة هناك دار إقامة لا كما في الدنيا حيث أنّ الإنسان ما أن يألف محيطه و يتعلّق به حتّى يقرع له جرس الرحيل! هذا من جانب .. و من جانب آخر فمع أنّ العمر هناك متّصل بالأبد، إلّا أنّ الإنسان لا يصيبه الملل أو الكلل، أو التعب أو النصب مطلقا، لأنّهم في كلّ آن أمام نعمة جديدة، و جمال جديد.
«النصب» بمعنى التعب، و «اللغوب» بمعنى التعب و النصب أيضا. هذا على ما تعارف عليه أهل اللغة و التّفسير، في حين أنّ البعض فرّق بين اللفظتين فقال بأنّ (النصب) يطلق على المشاقّ الجسمانية، و «اللغوب» يطلق على المشاقّ
[١]- مفردات الراغب.