الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥١ - إنّما أنا نذيرا
و قوله تعالى: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ما زال صادقا حتّى يومنا الحاضر، فإعراض المسلمين عنه تسبّب في عدم ارتوائهم من هذا المنبع العذب الذي يطفح بالفيض الإلهي الكامل، و إلى عدم التقدّم على الآخرين بالاستفادة من أنواره المشعّة، و إلى عدم الرقي إلى قمم الفخر و الشرف.
ثمّ تقول الآية، مقدّمة لسرد قصّة خلق آدم، و المكانة الرفيعة التي يحتلّها الإنسان الذي سجدت له كافّة الملائكة: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ.
أي لا علم لي بالمناقشات التي دارت بين الملأ الأعلى و ملائكة العالم العلوي بخصوص خلق الإنسان، حيث أنّ العلم يأتيني عن طريق الوحي، و الشيء الوحيد الذي يوحى إليّ هو أنّني نذير مبين إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ.
و رغم أنّ الملائكة لم تناقش و تجادل البارئ عزّ و جلّ، و لكنّ ذلك المقدار من الكلام الذي قالوه عند ما أخبرهم الباريّ عزّ و جلّ بأنّه سيجعل في الأرض خليفة، فقالوا: أ تخلق فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء؟ فأجابهم قائلا: إنّي أعلم ما لا تعلمون: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، [١] مثل هذا النقاش أطلق عليه اسم (التخاصم) و هي تسمية مجازية، و قد كانت هذه مقدّمة للآيات التالية التي تتحدّث عن خلق آدم.
و ثمّة احتمال وارد أيضا هو أنّ عبارة بِالْمَلَإِ الْأَعْلى لها مفهوم أوسع يشمل حتّى الشيطان، لأنّ الشيطان كان حينئذ في زمرة الملائكة، و نتيجة تخاصمه مع البارئ عزّ و جلّ و اعتراضه على إرادة اللّه طرد إلى الأبد من رحمة اللّه.
و قد وردت روايات متعدّدة في كتب الشيعة و السنّة بهذا الخصوص، جاء في إحداها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سأل أحد أصحابه: «أ تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟
[١]- البقرة، ٣٠.