الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٥ - انقضاء مهلة النّجاة
لإنقاذ أنفسهم فَنادَوْا وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ.
فعند ما كان أنبياء اللّه في السابق يعظونهم و يحذّرونهم عواقب أعمالهم القبيحة، لم يكتفوا بصمّ آذانهم و عدم الاستماع، و إنّما كانوا يستهزئون و يسخرون من الأنبياء و يعذّبون المؤمنين و يقتلونهم، فبذلك أضاعوا الفرصة و دمّروا كلّ الجسور التي خلفهم، فنزل العذاب الإلهي ليهلكهم جميعا، العذاب الذي رافقه انغلاق باب التوبة و العودة، وفور نزوله تبدأ أصوات الاستغاثة تتعالى، و التي لا تغني عنهم يومئذ شيئا.
و كلمة (لات) جاءت للنفي، و هي في الأصل (لا) نافية أضيفت إليها (تاء) التأنيث، لتعطي معنى التأكيد [١].
«مناص» من مادّة (نوص) و تعني الملاذ و الملجأ، و يقال: إنّ العرب عند ما كانت تقع لهم حادثة صعبة و رهيبة، و خاصّة في الحروب كانوا يكرّرون هذه الكلمة و يقولون (مناص ... مناص) أي: أين الملاذ؟ أين الملاذ؟ و لأنّ هذا المفهوم يتناسب مع معنى الفرار، و أحيانا تأتي بمعنى إلى أين الفرار [٢].
على أيّة حال، فإنّ أولئك المغرورين المغفّلين لم يستفيدوا من الفرصة التي كانت بأيديهم للجوء إلى أحضان الرحمة و اللطف الإلهي، و عند ما أضاعوا الفرصة و نزل عليهم العذاب الإلهي، أخذوا ينادون و يستغيثون و يبذلون الجهد للعثور على طريق نجاة لهم، و لكن كلّ هذه الجهود تبوء بالفشل، حيث أنّهم مهما بذلوا من جهد و مهما استغاثوا فإنّهم لا يصلون إلى مقصدهم.
هذه كانت سنّة اللّه مع كلّ الأمم السابقة، و ستبقى كذلك، لأنّ سنّة اللّه لا تتغيّر
[١]- البعض قال: إنّ (التاء) زائدة و اعتبرها للمبالغة كما في كلمة (علامة) كما اعتبر البعض أنّ (لا) هنا (نافية للجنس) و البعض شبّهها ب (ليس) و على أيّة حال إضافة (التاء) إلى (لا) يوجد أحكاما خاصّة، منها من المؤكّد أنّها تستخدم للزمان، و الاخرى أنّ اسمها أو خبرها محذوف دائما، و تذكر في الكلام بإحدى الحالتين المذكورتين آنفا، و طبقا لهذا فإنّ عبارة (و لات حين مناص) تقديرها (و لات الحين حين مناص).
[٢]- مفردات الراغب، تفسير فخر الرازي، تفسير روح المعاني، كتاب مجمع البحرين مادّة (نوص).