الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٤ - انقضاء مهلة النّجاة
الحقّ، كما أنّ عنادهم و عصيانهم- هما أيضا- مانع يحول دون تقبّلهم لدعوتك بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَ شِقاقٍ.
«العزّة» كما قال الراغب في مفرداته، هي حالة تحوّل دون هزيمة الإنسان (حالة الذي لا يقهر) و هي مشتقّة من (عزاز) و تعني الأرض الصلبة المتينة التي لا ينفذ الماء خلالها، و تعطي معنيين، فأحيانا تعني (العزّة الممدوحة) المحترمة، كما في وصف ذات اللّه الطاهر بالعزيز، و أحيانا تعني (العزّة بالإثم) أي الوقوف بوجه الحقّ و التكبّر عن قبول الواقع، و هذه العزّة مذلّة في حقيقة الأمر.
«شقاق» مشتقّة من (شقّ)، و معناه واضح، ثمّ استعمل في معنى المخالفة، لأنّ الاختلاف يسبّب في أن تقف كلّ مجموعة في شقّ، أي في جانب.
القرآن هنا يعدّ مسألة العجرفة و التكبّر و الغرور و طيّ طريق الانفصال و التفرقة من أسباب تعاسة الكافرين، نعم هذه الصفات القبيحة و السيّئة تعمي عين الإنسان و تصمّ آذانه، و تفقده إحساسه، و كم هو مؤلم أن يكون للإنسان عيون تبصر و آذان تسمع و لكنّه يبدو كالأعمى و الأصم.
فالآية (٢٠٦) من سورة البقرة تقول: وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ أي عند ما يقال للمنافق: اتّق اللّه، تأخذه العصبية و الغرور و اللجاجة، و تؤدّي به إلى التوغّل في الذنب و السقوط في نار جهنّم و إنّها لبئس المكان.
و لإيقاظ أولئك المغرورين المغفّلين، يرجع بهم القرآن الكريم إلى ماضي تأريخ البشر، ليريهم مصير الأمم المغرورة و المتكبّرة، كي يتّعظوا و يأخذوا العبر منها و كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ.
أي إنّ امما كثيرة كانت قبلهم قد أهلكناها (بسبب تكذيبها الأنبياء، و إنكارها آيات اللّه، و ظلمها و ارتكابها للذنوب) و كانت تستغيث بصوت عال عند نزول العذاب عليها، و لكن ما الفائدة فقد تأخّر الوقت! و لم يبق أمامهم متّسع من الوقت