الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٥ - يونس في بوتقة الامتحان
نفس الوقت، إذ أنّ بقاءه في داخل بطن الحوت أدّى إلى أن يصبح جلده رقيقا جدّا و حسّاسا، بحيث يتألّم إن استقرّت عليه حشرة.
و يحتمل أنّ الباري عزّ و جلّ يريد من هذه المرحلة إكمال الدرس الذي أعطاه ليونس في بطن الحوت، إذ كان عليه أن يحسّ بتأثير حرارة الشمس على جلده الرقيق، كي يبذل جهدا و سعيا أكثر- عند ما يتسلّم القيادة في المستقبل- لإنقاذ امّته من نار جهنّم، و قد ورد هذا المضمون في روايات متعدّدة [١].
نترك الحديث عن يونس و نعود إلى قومه، فبعد أن ترك يونس قومه و هو غضبان، ظهرت لقومه دلائل تبيّن لهم قرب موعد الغضب الإلهي، هذه الدلائل هزّت عقولهم بقوّة و أعادتهم إلى رشدهم، و دفعتهم إلى اللجوء للشخص (العالم) الذي كان آمن بيونس و ما زال موجودا في المدينة، و اتّخاذه قائدا لهم ليرشدهم إلى طريق التوبة.
و ورد في روايات اخرى أنّهم خرجوا إلى الصحراء، و فرّقوا بين المرأة و طفلها، و حتّى بين الحيوانات و أطفالها، و جلسوا يبكون و ينتحبون بأعلى أصواتهم، داعين اللّه سبحانه و تعالى بإخلاص أن يتقبّل توبتهم و يغفر ذنوبهم و تقصيرهم بعدم اتّباعهم نبي اللّه يونس.
و هنا أزاح اللّه عنهم سحب العذاب و أنزلها على الجبال، و هكذا نجا قوم يونس التائبون المؤمنون بلطف اللّه [٢].
بعد هذا عاد يونس إلى قومه ليرى ماذا صنع بهم العذاب الإلهي؟ و لكن ما إن عاد إلى قومه حتّى فوجئ بأمر أثار عنده الدهشة و العجب، و هو أنّه ترك قومه في ذلك اليوم يعبدون الأصنام، و هم اليوم يوحّدون اللّه سبحانه.
القرآن يقول هنا: وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ كانوا قد آمنوا باللّه،
[١]- تفسير نور الثقلين، المجلّد ٤، الصفحة ٤٣٦، الحديث ١١٦.
[٢]- نقل صاحب تفسير البرهان، و في المجلّد ٤، الصفحة ٣٥ هذا الحديث عن الإمام الصادق عليه السّلام.