الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - التّفسير
يغطّ في بركة آسنة من التعاسة و الشقاء.
و الملفت للنظر أنّ القرآن عند ما يتساءل أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ....
لا يتعرّض إلى ما يقابل ذلك صراحة، و كأنّه يريد أن يفسح المجال أمام المستمع لكي يتصوّر أمورا مختلفة يمكنها أن تكون ما يقابل ذلك و يفهم أكثر و أكثر، و كأنّه يريد أن يقول: هل أنّ شخصا كهذا هو كمن أبصر الحقيقة؟
هل أنّ شخصا كهذا كمن هو نقي القلب و مشغول دوما بمحاسبة نفسه؟.
و هل أنّ هناك أملا بالنجاة لهكذا شخص [١]؟.
ثمّ يضيف القرآن موضّحا علّة الفرق بين الفريقين فيقول: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
فإذا زيّنت الأعمال السيّئة بنظر المجموعة الاولى، فإنّ ذلك نتيجة الإضلال الإلهي، فاللّه سبحانه و تعالى هو الذي جعل تلك الخاصية في النفس البشرية عند تكرارها للأعمال السيّئة، بأن تتطبّع عليها و تعتادها و تنسجم معها و تنطبع بطبيعتها.
و هو سبحانه الذي أعطى للمؤمنين الطاهري القلوب نفاذ البصر و البصيرة، و سمعا واعيا لإدراك الحقائق كما هي.
و واضح أنّ هذه المشيئة الإلهيّة توأم لحكمته تعالى، و إنّما تعطي لكلّ ما يناسبه.
لذا فإنّ الآية تضيف في الختام: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ و هذا التعبير يشابه ما ورد في الآية (٣) من من سورة الشعراء: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [٢].
التعبير ب «حسرات» الذي هو «مفعول لأجله» لما قبله في الجملة، إشارة إلى أنّه ليس عندك عليهم حسرة واحدة، بل حسرات:
[١]- من هنا يتّضح أنّ في الآية جملة مقدّرة يمكن أن تكون «... كمن ليس كذلك، أو كمن يحاسب نفسه و يرى سوء عمله سيّئا ... أو: هل يرجى له صلاح أو متاب» و هكذا.
[٢]- ذكر أيضا لهذه الآية تفسير آخر، و هو أنّ المقصود منها مخاطبة الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأن لا يتألّم من شدّة أذى و مخالفات هؤلاء، إذ أنّ اللّه مطّلع على أعمالهم تماما و سينتقم منهم في الوقت المناسب.