الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٤ - إبراهيم عند المذبح
واسع و طيبة نفس، و بصراحة واضحة قال لوالده: قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ.
و لا تفكّر في أمري، فانّك سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
فما أعظم كلمات الأب و الابن و كم تخفي في بواطنها من الأمور الدقيقة و المعاني العميقة؟! فمن جهة، الأب يصارح ولده البالغ من العمر (١٣) عاما بقضيّة الذبح، و يطلب منه إعطاء رأيه فيها، حيث جعله هنا شخصيّة مستقلّة حرّة الإرادة.
فإبراهيم لم يقصد أبدا خداع ولده، و دعوته إلى ساحة الامتحان العسير بصورة عمياء، بل رغب بإشراكه في هذا الجهاد الكبير ضدّ النفس، و جعله يستشعر حلاوة لذّة التسليم لأمر اللّه و الرضى به، كما استشعر حلاوتها هو.
و من جهة اخرى، عمد الابن إلى ترسيخ عزم و تصميم والده في تنفيذ ما أمر به، إذ لم يقل له: اذبحني، و إنّما قال له: افعل ما أنت مأمور به، فإنّني مستسلم لهذا الأمر، و خاصّة أنّه خاطب أباه بكلمة يا أَبَتِ كي يوضّح أنّ هذه القضيّة لا تقلّل من عاطفة الابن تجاه أبيه و لو بمقدار ذرّة، و أنّ أمر اللّه هو فوق كلّ شيء.
و من جهة ثالثة، أظهر أدبا رفيعا اتّجاه اللّه سبحانه و تعالى، و أن لا يعتمد أحد على إيمانه و إرادته و تصميمه فقط، و إنّما يعتمد على إرادة و مشيئة اللّه، و بعبارة اخرى: أن يطلب توفيق الاستعانة و الاستقامة من اللّه.
و بهذا الشكل يجتاز الأب و ابنه المرحلة الاولى من هذا الامتحان الصعب بانتصار كامل.
ماذا يدور في هذا الوسط؟ القرآن الكريم لم يفصل مجريات الحدث، و ركّز فقط على النقاط الحسّاسة في هذه القصّة العجيبة.
كتب البعض: إنّ إسماعيل ساعد والده في تنفيذ هذا الأمر الإلهي، و عمل على تقليل ألم و حزن والدته.
فعند ما أخذه والده للذبح وسط الجبال الجرداء و الحارقة في أرض (منى) قال