الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٠ - ٢- هجرة إبراهيم عليه السّلام
أو أنّهم كانوا يحسّون بأنّ المجتمع لا يتقبّل رسالتهم، كانوا يهاجرون كي لا تتوقّف رسالتهم.
و هذه الهجرة كانت مصدر بركات كثيرة على طول تاريخ الأديان، حتّى أنّ تاريخ الإسلام من الناحيتين الظاهرية و المعنوية يدور حول محور هجرة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لو لا الهجرة لكان الإسلام قد غرق- و إلى الأبد- في مستنقع عبدة الأصنام في مكّة. فالهجرة هي التي أعطت روحا جديدة للإسلام و المسلمين، و غيّرت كلّ شيء لصالحهم، و خطت للبشرية طريقا جديدا للسير عليه.
و بعبارة واحدة: فالهجرة برنامج عام لكلّ مؤمن عند ما يشعر في وقت من الأوقات أنّ الجو الذي يعيش فيه غير متناسب مع أهدافه المقدّسة، و يبدو كأنّه مستنقع عفن يفسد كلّ ما فيه، فتكليفه الهجرة، و عليه أن يحزم حقائب السفر، و ينتقل إلى مناطق أفضل، فأرض اللّه واسعة.
و الهجرة قبل أن تكون ذات طابع ذاتي خارجي، فهي ذات طابع ذاتي داخلي، ففي بداية الأمر يجب على القلب و الروح هجر الفساد إلى الطهارة، و هجر الشرك إلى الإيمان، و هجر المعاصي إلى طاعة اللّه العظيم.
فالهجرة الداخلية هي بداية تغيّر الفرد و المجتمع، و مقدّمة للهجرة الخارجية، و قد بحث هذا الموضوع بصورة مفصّلة في هذا التّفسير و في موضوع يتحدّث عن الإسلام و الهجرة، و ذلك بعد الآية (١٠٠) في سورة النساء.