الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٩ - ٢- هجرة إبراهيم عليه السّلام
و قد زعم البعض أنّ هذه الآيات تدلّ على ما جاء في مذهب الجبر الفاسد، و ذلك عند ما اعتبروا (ما) في عبارة ما تَعْمَلُونَ (ما) المصدرية، و قالوا: إنّ هذه الآية تعني أنّ اللّه خلقكم و أعمالكم، و بما أنّ أعمالنا هي من خلق اللّه، فإنّنا لا نمتلك الإختيار، أي إنّنا مجبرون.
هذا الكلام لا أساس له من الصحّة لعدّة أسباب:
أوّلا: كما قلنا فإنّ المراد من ما تَعْمَلُونَ هنا، هي الأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم، و ليست أعمال الإنسان، و من دون أي شكّ فإنّهم كانوا يأخذون المواد من هذه الأرض التي خلقها اللّه، و ينحتونها بالشكل الذي يروق لهم، و لهذا فإنّ (ما) هنا هي (ما) الموصولة.
ثانيا: إذا كان مفهوم الآية كما تصوّر أولئك، فإنّها تكون دليلا لصالح عبدة الأصنام، و ليس ضدّهم، لأنّهم يستطيعون القول: صناعة الأصنام و عبادتها إنّما هو من خلق اللّه، و نحن في هذه الحالة لسنا بمذنبين.
و ثالثا: على فرض أنّ معنى الآية هو هكذا، فليس هناك دليل على الجبر، لأنّه مع الحرية و الإرادة و الاختيار فإنّ اللّه هو خالق أعمالنا، لأنّ هذه الحرية و الإرادة و القدرة على التصميم و كذلك القوى البدنية و الفكرية الماديّة و المعنوية لم يعطها غير اللّه؟ إذا فالخالق هو، مع أنّ الفعل هو باختيارنا نحن.
٢- هجرة إبراهيم عليه السّلام:
الكثير من الأنبياء هاجروا خلال فترة حياتهم من أجل أداء رسالتهم، و منهم إبراهيم الذي استعرضت آيات مختلفة في القرآن المجيد قضيّة هجرته، و منها ما جاء في سورة العنكبوت الآية (٢٦) وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
في الحقيقة، إنّ أولياء اللّه عند ما كانوا يتّمون مهام رسالتهم في إحدى المناطق،