الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٥ - يوم تسكت الألسن و تشهد الأعضاء!!
الرجوع الكامل للإنسان إلى حالات الطفولة. فالإنسان منذ بدء خلقته ضعيف، و يتكامل تدريجيّا و يرشد، و في أطواره الجنينية يشهد في كلّ يوم طورا جديدا و رشدا جديدا، و بعد الولادة- أيضا- يستمرّ في مسيره التكاملي جسميا و روحيا و بسرعة، و تبدأ القوى و الاستعدادات التي أخفاها اللّه في أعماق وجوده بالظهور تدريجيّا الواحدة تلو الاخرى، في طور الشباب، ثمّ طور النضج، ليبلغ الإنسان أوج تكامله الجسمي و الروحي.
و هنا تنفصل الروح عن الجسد في تكاملها و نموّها، فتستمر في تكاملها في حال أنّ الجسد يشرع بالنكوص، و لكن العقل في النهاية يبدأ هو الآخر بالتراجع أيضا، فيعود تدريجيّا- و أحيانا بسرعة- إلى مراحل الطفولة، و يتساوق ذلك مع الضعف البدني أيضا، مع الفارق طبعا، فالآثار التي تتركها حركات و روحيات الأطفال على النفس هي الراحة و الجمال و الأمل و لهذا فهي مقبولة منهم، و لكنّها من أهل الشيخوخة، قبيحة و منفّرة، و في بعض الأحيان قد تثير الشفقة و الترحّم، فالشيخوخة أيّام عصيبة حقّا، يصعب تصوّر عمق آلامها.
في الآية (٥) سورة الحجّ أشار القرآن المجيد إلى هذا المعنى، قائلا: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً. لذا فقد ورد في بعض الروايات أنّ من جاوز السبعين حيّا فهو «أسير اللّه في الأرض» [١].
و على كلّ حال فإنّ جملة أَ فَلا يَعْقِلُونَ تشعّ تنبيها عجيبا بهذا الخصوص، و تقول للبشر: إنّ هذه القدرة و القوّة التي عندكم لو لم تكن على سبيل «العارية» لما أخذت منكم بهذه البساطة. اعلموا أنّ فوقكم يد قدرة اخرى قادرة على كلّ شيء، فقبل أن تصلوا إلى تلك المرحلة خلّصوا أنفسكم، و قبل أن يتبدّل هذا النشاط
[١]- ورد هذا الحديث في سفينة البحار مادّة (عمر).