الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٠ - أصحاب الجنّة فاكهون!
هو نفس أعمالكم، فأي عدالة أفضل و أعلى من هذه العدالة؟! و بعبارة اخرى: فإنّ الأعمال الحسنة و السيّئة التي قمتم بها في هذه الدنيا سترافقكم في ذلك العالم أيضا، و نفس تلك الأعمال ستتجسّد هناك و ترافقكم في جميع مراحل الآخرة، في المحشر و بعد نهاية الحساب.
فهل أنّ تسليم حاصل عمل إنسان إليه أمر مخالف للعدالة؟
و هل أنّ تجسيد الأعمال و قرنها بعاملها ظلم؟
و من هنا يتّضح أن لا معنى للظلم أساسا في مشهد يوم القيامة، و إذا كان يحدث في الدنيا بين البشر أن تتحقّق العدالة حينا و يقع الظلم أحيانا كثيرة، فذلك لعدم إمكان ربط الأعمال بفاعليها.
جمع من المفسّرين تصوروا أنّ الجملة الأخيرة أعلاه تتحدّث عن الكفّار و المسيئين الذين سيرون عقابا على قدر أعمالهم، دون أن تشمل المؤمنين، بلحاظ أنّ اللّه سبحانه و تعالى قد جزاهم و أثابهم بأضعاف ما يعادل أعمالهم.
و لكن بملاحظة ما يلي ينحلّ هذا الاشتباه، و هو أنّ الحديث هنا هو حديث عن العدالة في الثواب و العقاب و أخذ الجزاء حسب الاستحقاق، و هذا لا ينافي أنّ اللّه سبحانه و تعالى يريد أن يزيد المؤمنين من فضله، فهذه مسألة «تفضل» و تلك مسألة «استحقاق».
ثمّ تنتقل الآيات لتتعرّض إلى جانب من مثوبة المؤمنين العظيمة، و قبل كلّ شيء تشير إلى مسألة الطمأنينة و راحة البال فتقول: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ.
«شغل»:- على وزن سرر- و «شغل»- على وزن لطف-: كليهما بمعنى العارض الذي يذهل الإنسان و يصرفه عن سواه، سواء كان ممّا يبعث على المسرّة أو الحزن، و لكن لإلحاقه كلمة «فاكهون» التي هي جمع «فاكه» و هو المسرور الفرح الضاحك، يمكن استنتاج أنّ المعنى إشارة إلى الإنسان المشغول بنفسه