الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٠ - الإعراض عن جميع آيات اللّه
منهما ذكر احتمالات متعدّدة، ذكرنا قسما منها.
و «العلّامة الطباطبائي» في «الميزان» يرى أنّ «ما بين أيديكم» الشرك و المعاصي في الحياة الدنيا، و «ما خلفكم» العذاب في الآخرة [١]. في حين أنّ ظاهر الآية هو أنّ كلا الإثنين من جنس واحد، و ليس بينهما سوى التفاوت الزمني، لا أنّ إحداهما إشارة إلى الشرك و الذنوب، و الاخرى إشارة إلى العقوبات الواقعة نتيجة ذلك.
على كلّ حال فأحسن تفسير لهذه الجملة هو ما ذكرناه أوّلا، و آيات القرآن المختلفة شاهد على ذلك أيضا، و هو أنّ المقصود من «ما بين أيديكم» هو عقوبات الدنيا و «ما خلفكم» عقوبا الآخرة.
الآية التالية تؤكّد نفس المعنى و تشير إلى لجاجة هؤلاء الكفّار و إعراضهم عن آيات اللّه و تعاليم الأنبياء، تقول الآية الكريمة: وَ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ.
فلا الآيات الأنفسية تؤثّر فيهم، و لا الآفاقية، و لا التهديد و الإنذار، و لا البشارة و التطمين بالرحمة الإلهيّة، لا يتقبّلون منطق العقل و لا أمر العواطف و الفطرة، فهم مبتلون بالعمى الكلّي بحيث لا يتمكّنون حتّى من رؤية أقرب الأشياء إليهم، و حتّى أنّهم لا يفرّقون بين ظلمة الليل و شمس الظهيرة.
ثمّ يشخّص القرآن الكريم أحد الموارد المهمّة لعنادهم و إعراضهم فيقول:
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
ذلك المنطق الضعيف الذي يتمسّك به الأنانيون و البخلاء في كلّ عصر و زمان و يقولون: إنّ فلانا أصبح فقيرا بسبب عمل ارتكبه و أدّى به إلى الفقر، مثلما أنّنا أغنياء بسبب عمل عملنا فشملنا لطف اللّه و رحمته، و عليه فليس فقره و لا غنانا
[١]- الميزان، المجلّد ١٧، الصفحة ٩٦، (ذيل الآيات مورد البحث).