الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - الإعراض عن جميع آيات اللّه
كانا بلا حكمة. غافلين عن أنّ الدنيا إنّما هي دار إمتحان و ابتلاء، و اللّه سبحانه و تعالى إنّما يمتحن البعض بالفقر كما يمتحن البعض الآخر بالغنى و الثروة، و ربّما يضع اللّه الإنسان و في وقتين مختلفين في بوتقة الامتحان الغنى و الفقر، و ينظر هل يؤدّي الأمانة حال فقره و يتمتّع بمناعة الطبع و يلج مراتب الشكر اللائقة، أم أنّه يطأ كلّ ذلك بقدمه و يمرّ؟ و في حال الغنى هل ينفق ممّا تفضّل اللّه به عليه، أم لا؟
و رغم أنّ البعض قد حصر الآية من حيث التطبيق في مجموعة خاصّة كاليهود، أو المشركين في مكّة، أو جميع الملاحدة الذين أنكروا الأديان الإلهيّة، و لكن يبدو أنّ للآية مفهوما عامّا يمكن أن تكون له مصاديق في كلّ عصر و زمان، و إن كان مصداقها حين نزولها هم اليهود أو المشركون فتلك ذريعة عامّة يتشبّثون بها على مرّ العصور، و هي قولهم: إذا كان اللّه هو الرازق إذا لماذا تريدون منّا أن نعطي الفقراء من أموالنا؟ و إذا كان اللّه يريد أن يرى هؤلاء محرومين فلما ذا تريدون منّا إغناء من أراد اللّه حرمانه؟ غافلين عن أنّ نظام التكوين قد يوجب شيئا، و يوجب نظام التشريع شيئا غيره.
فنظام التكوين- بإرادة اللّه- أوجب أن تكون الأرض بجميع مواهبها و عطاياها مسخّرة للبشر، و أن يعطي البشر حريّة انتخاب الأعمال لطي طريق تكاملهم، و في نفس الوقت خلق الغرائز التي تتنازع الإنسان من كلّ جانب.
و نظام التشريع أوجب قوانين خاصّة للسيطرة على الغرائز و تهذيب النفوس، و تربية الإنسان عن طريق الإيثار و التضحية و التسامح و الإنفاق، و ذلك الإنسان الذي لديه الأهلية و الاستعداد لأن يكون خليفة اللّه في الأرض، إنّما يبلغ ذلك المقام الرفيع من هذا الطريق، فبالزكاة تطهر النفوس، و بالإنفاق ينتزع البخل من القلوب، و يتحقّق التكافؤ، و تقلّ الفواصل الطبقية التي تفرز آلاف العلل و المفاسد في المجتمعات.
و ذلك تماما كما يقول شخص: لماذا ندرس؟ أو لماذا نعلّم غيرنا؟ فلو شاء اللّه