الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٥ - التّفسير
القرآنية الكريمة تتكلّم بصيغة الماضي حينما تتعرّض إلى الحوادث المسلّم بها في المستقبل للدلالة على مضارع متحقّق الوقوع، و بذلك يمكن أن تكون إشارة إلى كلا المعنيين حالهم في الدنيا و حالهم في الآخرة.
جمع من المفسّرين ذكروا في أسباب نزول هذه الآية و الآية التالية لها أنّهما نزلتا في (أبي جهل) أو (رجل من مخزوم) أو قريش، الذين صمّموا مرارا على قتل الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لكن اللّه سبحانه و تعالى منعهم من ذلك بطريقة إعجازية فكلّما أرادوا إنزال ضربة بالنّبي عميت عيونهم عن الإبصار أو أنّهم سلبوا القدرة على التحرّك تماما [١].
و لكن سبب النّزول ذلك لا يمنع من عمومية مفهوم الآية وسعة معناها، بحيث يشمل جميع أئمّة الكفر و المعاندين، و في الضمن فهي تعتبر تأييدا لما قلناه في تفسير فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ في أنّ المقصود بهم هم أئمّة الكفر و النفاق و ليس أكثرية المشركين.
الآية التالية تتناول وصفا آخر لحالة تلك المجموعة، و تمثيلا ناطقا عن عوامل و أسباب عدم تقبّلهم الحقائق فتقول: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا و حوصروا بين هذين السدّين و أمسوا لا يملكون طريقا لا إلى الأمام و لا إلى الوراء، آنئذ فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.
و يا له من تشبيه رائع!! فهم من جهة كالأسرى في الأغلال و السلاسل، و من جهة اخرى فإنّ حلقة الغلّ عريضة بحيث أنّها ترفع رؤوسهم إلى السماء، و تمنعهم من أن يبصروا شيئا ممّا حولهم، و من جهة ثالثة فهم محاصرون بين سدود من أمامهم و خلفهم و ممنوعون من سلوك طريقهم إلى الأمام أو إلى الخلف. و من جهة رابعة فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ إذ فقدت عيونهم كلّ قدرة على الإبصار.
تأمّلوا مليّا ماذا ينتظر ممّن هو على تلك الحال؟ ما هو مقدار إدراكه للحقائق؟
[١]- تفسير الآلوسي، المجلّد ٢٢، صفحة ١٩٩.