الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٣ - التّفسير
الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. كذلك في الآية (٧١) من سورة الزمر نقرأ وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ.
على كلّ حال فإنّ ذلك يخصّ أولئك الذين قطعوا كلّ ارتباط لهم باللّه سبحانه و تعالى، و أغلقوا عليهم منافذ الهداية بأجمعها، و أوصلوا عنادهم و تكبّرهم و حماقتهم إلى الحدّ الأعلى، نعم فهم لن يؤمنوا أبدا، و ليس لديهم أي طريق للعودة، لأنّهم قد دمّروا كلّ الجسور خلفهم.
في الحقيقة فإنّ الإنسان القابل للإصلاح و الهداية هو ذلك الّذي لم يلوّث فطرته التوحيدية تماما بأعماله القبيحة و أخلاقه المنحرفة، و إلّا فإنّ الظلمة المطلقة ستتغلّب على قلبه و تغلق عليه كلّ منافذ الأمل.
فاتّضح أنّ المقصود هم تلك الأكثرية من الرؤوس المشركة الكافرة الّتي لم تؤمن أبدا، و كذلك كان، فقد قتلوا في حروبهم ضدّ الإسلام و هم على حال الشرك و عبادة الأوثان، و ما تبقى منهم ظلّ على ضلاله إلى آخر الأمر.
و إلّا فإنّ أكثر مشركي العرب أسلموا بعد فتح مكّة بمفاد قوله تعالى: يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً. [١] و يشهد بذلك ما ورد في الآيات التالية التي تتحدّث عن وجود سدّ أمام و خلف هؤلاء و كونهم لا يبصرون. و أنّه لا ينفع معهم الإنذار أو عدمه [٢].
الآية التي بعدها تواصل وصف تلك الفئة المعاندة، فتقول: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أي مرفوعي الرأس لوجود الغلّ حول الأعناق.
«أغلال» جمع «غل»: من مادّة «غلل» و يعني تدرع الشيء و توسطه، و منه
[١]- سورة النصر، الآية ٢.
[٢]- بناء على ما عرضناه يتضح بأنّ الضمير في «أكثرهم» يعود على قادة القوم و ليس على القوم، و شاهد ذلك الآيات التالية لتلك الآية.