الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٤ - استكبارهم و مكرهم سبب شقائهم
إلى الإحاطة بالآخرين، و لكنّه في النهاية يعود على صاحبه، فهو مفضوح و ضعيف و عاجز أمام خلق اللّه، و سيندمون حتما أمام اللّه سبحانه و تعالى، و ذلك هو المصير المشؤوم الذي انتهى إليه مشركو مكّة.
هذه الآية في الحقيقة تريد القول بأنّهم لم يكتفوا فقط بالابتعاد عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل إنّهم استعانوا بكلّ قدرتهم و استطاعتهم لأجل إنزال ضربة قويّة به و بدعوته، و السبب في كلّ ذلك لم يكن سوى الكبر و الغرور و عدم الرضوخ للحقّ.
ختام الآية تهديد لتلك المجموعة المستكبرة الماكرة و الخائنة، و بجملة عميقة المعنى و بكلمات تهزّ المشاعر، يقول تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ [١].
هذه الجملة القصيرة تشير إلى جميع المصائر المشؤومة التي أحاقت بالأقوام السالفة كقوم نوح، و عاد، و ثمود، و قوم فرعون، حيث أصاب كلا منهم بلاء عظيم، و القرآن الكريم أشار مرارا إلى جوانب من مصائر هؤلاء الأقوام المشؤومة و الأليمة. و هنا و بتلك الجملة القصيرة جسّد جميع ذلك أمام بصيرة تلك الفئة في مكّة.
ثمّ تضيف الآية لزيادة التأكيد قائلة: فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا. فكيف يمكن للّه سبحانه و تعالى أن يعاقب قوما على أعمال معيّنة، ثمّ لا يعاقب غيرهم الذين يسلكون نفس سلوكهم؟ أ ليس هو العدل الحكيم، و كلّ ما يفعله بناء على حكمة و عدل تاميين؟! فإنّ تغيير السنن يمكن تصوّره بالنسبة إلى من يمتلك اطّلاعا أو معرفة محدودة، إذ يزداد معرفة بمرور الزمان يعرض عن سنّة سابقة، أو يكون الإنسان عالما، إلّا أنّه لا يتصرّف طبقا للحكمة و العدالة، بل طبقا لميول خاصّة في نفسه، و لكن اللّه سبحانه و تعالى منزّه عن جميع تلك الأمور، و سنّته حاكمة على من يأتي كما كانت تحكم من مضى، و لا تقبل التغيير أبدا.
[١]- «نظر» و «انتظار» تأتي أحيانا لتشير إلى نفس المعنى. كما يقول الراغب.