رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٨
التعبير مقروناً بالقرينة الدالة على المراد، فإذا ظهر الشيء بعد الخفاء فبما أنّه بداء بالنسبة إلينا، فوصف فعله سبحانه به أيضاً من باب المشاكلة، وإلاّ فهو في الحقيقة بداء من الله للناس ولكنّه يتوسّع كما يتوسّع في غيره من الألفاظ ويقال: بدا لله تمشياً مع ما في حسبان الناس وأذهانهم وقياس أمره سبحانه بأمرهم، ولا غرو في ذلك إذا كانت هناك قرينة على المجاز والمشاكلة.
والذي يرشدك إلى صحّة هذا النوع من الاستعمال وروده في كلام النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) الذي رواه البخاري في صحيحه قال: «بدا لله سبحانه في الأبرص والأقرع والأعمى أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك اللّه لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا، قد قذرني الناس، قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها.
وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد اللّه إليّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّه إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذّرك الناس، فقيراً فأعطاك اللّه؟ فقال: لقد وَرِثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنتَ كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.