رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٦
وذهابهم إلى أوطانهم، نادى منادي الرسول (صلى الله عليه وآله): الصلاة جامعة.
فارتج الحجاج من هذا النداء، إذ لم تكن هذه الساعة زمان نزول ولم يكن هذا المكان منزلاً وموقفاً للاستراحة، فتوقّف الموكب، فلحق من كان في آخر القافلة، ورجع من كان في مقدّمها، فجمعوا في الحرّ الشديد ليسمعوا الخبر الهامّ، حتّى وضع كثير منهم رداءه على رأسه من حرارة الشمس، ووضع البعض رداءه تحت قدميه اتّقاءً لِلَهيب الرمضاء.
فصلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله)بالمسلمين صلاة الظهر، ثمّ صنعوا من أقتاب الإبل منبراً رفيعاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصار الأُلوف من البشر آذاناً صاغية لكلامه(صلى الله عليه وآله)ليسمعوا وليعوا كلام خطيب الله تعالى، فرقى المنبر وفتح فمه الطيّب وتكلّم بكلام بلّغ فيه المسلمين ما أمره الله تعالى بتبليغه.
ونحن نورد الخطبة الشريفة عن كتاب المناقب لابن المغازلي الشافعي بسند ذكره. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«الحمد لله نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكّل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الّذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلَّ لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله.
أمّا بعد أيّها الناس! فإنّه لم يكن لنبيّ من العمر إلاّ نصف من [١] عمّر من قبله، وإنّ عيسى بن مريم (عليه السلام)لبث في قومه أربعين سنة، وإنّي قد أسرعت في العشرين، ألا وإنّي يوشك أن أُفارقكم، ألا وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فهل بلّغتكم؟ فماذا أنتم قائلون؟»
فقام من كلّ ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنّك عبدالله ورسوله، قد بلّغت رسالته، وجاهدت في سبيله، وصدعت بأمره، وعبدته حتّى أتاك اليقين، جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّاً عن أُمّته.
[١] في العمدة: ١٠٥ والبحار: ٣٧ / ١٨٤: «ما» بدل «من».