رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣١
من الآيات منها:
١. قال سبحانه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)[١] .
والخطاب في قوله: (ادْخُلِ) متوجه لمن جاء من أقصى المدينة وخاطب قومه بقوله: (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَ هُمْ مُهْتَدُونَ )[٢]وبعدما أتم كلامه ودعا الناس إلى الإيمان برسل المسيح، قام قومه بضربه ورجمه حتّى مات فعند ذلك خاطبه سبحانه بقوله: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ)فقال الرجل: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)، فالاستدلال مركّز على تبيين المراد من الجنة؟ هل هي جنة المأوى الّتي يدخل فيها الإنسان المؤمن بعد الحشر والنشر؟ أو المراد منها الجنة البرزخيّة الّتي يتنعم فيها العباد الصالحون بعد موتهم إلى يوم القيامة، فتكون الآية شاهداً لاستمرار الحياة بعد الرحيل عن هذه الدنيا.
وممّا نلفت إليه نظر القارئ هو أنّ الحياة البرزخية تعمّ المؤمن والكافر، غاية الأمر المؤمن منعّم فيها والكافر معذّب، يقول سبحانه في حق الفراعنة: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).[٣]
إنّ القول بأنّ الموت إبطال للإنسان ولا يبقى بعد الموت منه شيء عقيدة مادّية يصرّ عليها حماة المادة في عصرنا هذا، حيث يعتقدون بأنّ الموت نهاية وجود الإنسان ولا يبقى بعد الموت منه شيء، والقرآن الكريم يرفض تلك العقيدة قائلاً بأنّ الموت فناء للجسم الّذي هو بمنزلة الثوب للروح، وأمّا الروح فهي الّتي يأخذها ملك الموت وتبقى عند الله تبارك وتعالى، وهذه الحقيقة قد أشار إليها سبحانه في جواب نفاة المعاد بقولهم: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي
[١] يس: ٢٦ ـ ٢٧ .
[٢] يس: ٢٠ ـ ٢١ .
[٣] غافر: ٤٦ .