رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤
قال القاضي عبد الجبار: حقيقة الكلام هي الحروف المنظومة والأصوات المقطّعة، وهذا كما يكون سبحانه منعماً بنعمة توجد في غيره ورازقاً برزق يوجد في غيره، وهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره، وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه الفعل.[١]
هذه النظرية وإن كانت صحيحة لكنّها إنّما تتمّ إذا كان المخاطب شخصاً خاصّاً كتكليمه موسى أو تكليمه أحداً من الأنبياء بالطرق الثلاثة حيث قال:
١. (إلاّ وحياً).
٢. (أو من وراء حجاب).
٣. (أو يرسل رسولاً).
وأمّا إذا كان المخاطب عموم الناس من الأوّلين والآخرين، فلابدّ أن يفسّر بوجه آخر وهو أنّ كلامه هو الفعل المنبئ عن جماله، المظهر لكماله، كما سيوافيك.
نظرية الأشاعرة
ذهبت الأشاعرة إلى أنّ التكلّم من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة، هذا من جانب ومن جانب آخر صاروا بصدد تنزيهه سبحانه عن قيام الأصوات والحروف بذاته، فاختاروا هنا مذهباً باسم الكلام النفسي وقالوا: إنّه غير العلم والإرادة. وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ حقيقة الكلام معنى قائم بذات المتكلم وإنّما هو القول لذي يجده العاقل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردّد، أهو على سبيل الحقيقة أم على سبيل المجاز؟ وإن كان على طريق الحقيقة فإطلاق الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك اللفظي.[٢]
ترى أنّ الأشعري يرى أنّ واقع الكلام ليس قائماً بالحروف والأصوات وأنّ
[١] شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار:٥٢٨، و شرح المواقف للسيد الشريف:٤٩٥.
[٢] الشهرستاني، نهاية الاقدام في علم الكلام، ص ٣٢٠، طبعة اكسفورد، ١٩٣٤.