رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٣
واللطف بالمعنى المصطلح متحقّق في هذه الصورة، لأنّ السمعيات تقرب إلى الإنسان امتثال ما يحكم به العقل ـ قبل الشرع ـ من إتيان المحاسن وترك القبائح فإنّ الشرع يوعده، وإيعاده يبعث الإنسان إلى محاسن الإحسان ويصده عن قبائحها.
٤. محصلة للقرب
القرب إلى الله سبحانه وتعالى من أفضل الفرائض عند العقل، إذ هو كمال للنفس ولا كمال فوقه وهذا هو الّذي يحكم به العقل، ولكنّه غير واقف على ما يحصل به القرب .
وبعبارة أُخرى: العقل يدرك الكبرى وهي لزوم تحصيل القرب ولكن لا يعرف الصغرى أي بماذا يحصل ذلك الكمال النفساني، إلاّ من طريق الشرع حيث إنّ الأحكام الشرعية واجباتها ومستحباتها، وهكذا مكروهات الشرع ومنهياته تولّد في النفس الإنسانية القرب من مركز الكمال ومعدنه، فلذلك تكون الأحكام الشرعية ألطافاً في الأحكام العقلية.
روى أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «أنّ الله جلّ جلاله قال: ما يتقرّب إليّ عبد من عبادي بشيء أحب إليّ ممّا افترضت عليه، وإنّه ليتقرب إليّ بالنافلة حتّى أُحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الّذي يسَمع به، وبَصره الّذي يبُصر به، ولسانه الّذي ينطق به، ويده الّتي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته».[١]
وإن شئت قلت: العقل يحكم بتحصيل ما يقرّب من الله سبحانه والابتعاد عما يورث البعد عنه، غير أنّه لا يعرف المقرّب والمبعد، فالأحكام الشرعية الّتي أتى بها الأنبياء توضح له الطريق وتبيّن له ما هو المقرّب وما هو المبعد.[٢]
[١] الوسائل: ٣، الباب ١٧ من أبواب أعداد الفرائض، الحديث ٣ .
[٢] بحر الفوائد للمحقّق الآشتياني في تعليقته على الفوائد للشيخ الأنصاري : ٢ / ١٥٥. ذكره بصورة أحد المحتملات للقاعدة، وإن لم يرتضه.