رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٢
٢. ما يحدث عند مزارات آل البيت من شركيات
اتهمتم في بيانكم الشيعة بممارسة الشركيات عند زيارتهم لقبور أهل البيت(عليهم السلام); لكن الجدير بكم أن تشيروا إلى مصاديق تلك الشركيات ولا تبقوا القضية عائمة، فهل أصل الزيارة شرك؟ لا شك أنّ الجواب بالنفي. وهل الدعاء وطلب الشفاعة من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) شرك؟ من المسلم كلا; لقد كان من الجدير بسماحتكم الاقتداء بإمام الأحناف الكبير، فقد روى مؤلف كتاب «فتح القدير»: انّ الإمام أبا حنيفة وقف أمام قبر النبي الشريف وأنشد قائلاً:
يا أكرم الثقلين يا كنز الورى *** جد لي بجودك وارضني برضاكا
أنا طامع في الجود منك ولم *** يكن لأبي حنيفة في الأنام سواكا[١]
وكأنّ أبا حنيفة اقتدى بالصحابي الجليل سواد بن قارب الذي أنشد قائلاً:
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
لقد جاء في بيانك انّ دعاء أهل البيت من دون اللّه يعد من الشركيات; عذراً سماحة الشيخ أنّ هذا المنطق هو منطق الوهابية الذين قد يستندوا أحياناً لقوله تعالى:(وأنَّ المَسَاجِدَ لِلّهِ فَلاَ تَدْعُوْا مَعَ اللّهِ أحَدَاً)[٢]. ولكن ينبغي أن يتّضح المراد من كلمة «الدعوة» ما هو؟ هل المقصود مخاطبة غير اللّه؟ لا شك أنّه ليس هو المراد، لأنّ لازم ذلك تكفير جميع البشر، لأنّ الإنسان في حياته يخاطب آلاف الناس ويستعين بهم، نعم المقصود من الدعوة هنا عبادة غير اللّه بمعنى الخضوع والخشوع أمام موجود بعنوان كونه خالقاً ومدبراً فيكون معنى الآية «انّ المساجد للّه فلا تعبدوا مع اللّه أحداً» ومن حسن الحظ يوجد شاهد على ذلك، وهو قوله تعالى: (وَقالَ رَبّكُم ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ انّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرين).[٣]
[١] أُنظر: فتح القدير:٢/٣٣٦.
[٢] الجن:١٨.
[٣] غافر:٦٠.