رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٧
فيقال: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكة وحميراً وكما بين مكّة وبصرى»[١] .
فالحديث يدلّ على جواز التوسّل بالمقام والمنزلة لقولهم: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ...، كما أنّ فيه دلالة على طلب الشفاعة منه لقولهم اشفع لنا إلى ربك .
إنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء ليس بملاك جسمانيتهم فإنّهم وغيرهم في ذلك المجال سواسية ، وإنّما يتوسّل بهم بروحانيتهم العالية; وهي محفوظة في حال الحياة وبعد الارتحال إلى البرزخ وإلى الآخرة .
فالتفريق في التوسّل بين الحياة والممات ينشأ من نظرة مادية تعطي الأصالة للجسم والمادّة ولا تقيم للمعنى والروحانية وزناً ولا قيمةً .
فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)مدار الفضائل والكمالات وهو يتمتع بأروع الكرامات وكلّها ترجع إلى روحانيته ومعنويته القائمة المحفوظة في جميع الحالات .
فما هذا التفريق بين الحياة المادّية والبرزخية والأُخروية ؟
فمن اتّخذ الأنبياء والأولياء وغيرهم ممّن باتوا لربّهم سجّداً وقياماً ، أسباباً حال حياتهم أو بعد مماتهم ، ووسائل لقضاء حوائجهم ووسائط لجلب الخير ودفع الشر ، لم يحيدوا عمّا تهدف إليه الشريعة، ولم يتجاوزوا الخط المشروع، ولم يتعدّوا مقصود الرسالة النبوية وغاياتها .
فالأسباب لا يمكن إنكارها ، ولا يعقل تجاهلها ، ولا يتأتّى جحودها; لأنّه تعالى هو الذي خلق الأسباب والمسبّبات ورتّب النتائج على المقدّمات فمن تمسّك بالأسباب فقد تمسّك بما أمر الله سبحانه .
[١] صحيح البخاري: ٦ / ٨٤ ـ ٨٥ ; صحيح مسلم: ١ / ١٢٧ ـ ١٣٠ ; مسند أحمد: ٢ / ٤١٢ .