رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٨
إنّ هذا النوع من الاستعمالات كثير في القرآن الكريم، ونذكر هنا مورداً واحداً; حيث يتحدّث القرآن عن المنافقين، فيقول:(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرينَ)[١]; فمن المسلّم أنّ عمل المشركين كان حيلةً، فيما لا يكون عمل الله حيلة والعياذ بالله، وإنّما يبطل سبحانه حيلهم، لكن حيث جرى التعبير عن عملهم بالمكر، بيّن فعل الله باستخدام الكلمة نفسها، كي يكون هناك نوع من التناغم والتناسق في الحوار والمجادلة، وهذا ما يسمّى في الاصطلاح البلاغي بالمشاكلة التي تعطي الكلام جماله ورونقه.
ومن هذا المنطلق، عندما تحدث رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن الأشخاص الثلاثة من بني إسرائيل الذين كانوا يتعذبون: واحد بالقرع وآخر بالعمى، وثالث بالبرص، وأنّ الله رفع عن كلّ واحد منهم بلاءه; فأعطى الأوّل شعراً جميلاً، والثاني عيوناً ناظرة مبصرة، والثالث جلداً نضراً، وعندما لم يشكر بعضهم هذه النعمة الإلهية أخذها الله منه; لأنّه لم يكن ليقوم بواجباته ومسؤولياته مقابل هذه النعم الربانية، في هذه القصة نجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعبّر: «بدا لله في الأقرع والأبرص...»[٢]، والعلّة في هذا التعبير هو ما قلناه قبل قليل.
...عندما سمع عبد العزيز هذا البيان كلّه قال: آتني بكتاب من قدماء الإمامية يفسّر البداء بهذا الشكل الذي ذكرته الآن، وفي تلك الأيام، أتيته بكتاب «أوائل المقالات» مع «تصحيح الاعتقاد» للشيخ المفيد، وذلك عارية من مكتبة مسجد چهل ستون (الأربعون عموداً)، في طهران، وقدّمته له، وبعد ستة أيام أرجع الكتاب لي، وقال: إنّ البداء بهذا المعنى الذي يقوله (المفيد) متّفق عليه بين علماء أهل السنّة كافة.
نستنتج من هذا كلّه، أنّ الحوارات الحميمة الصادقة التي تحكمها الصداقة
[١] الأنفال:٣٠.
[٢] صحيح البخاري:٤/٢٠٨، كتاب الأنبياء، الباب٥١.