رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣٦
إنّ كمال القوة العملية إنّما هو باستكمال الحكمة العملية، وهي استكمال النفس بكمال الملكة التامة على الأفعال الفاضلة حتّى يكون الإنسان ثابتاً على الصراط المستقيم متجنّباً لطَرَفي الإفراط والتفريط في جميع أفعاله.[١]
لن يسمح لنا الوقت بالوقوف أكثر من هذه اللحظات في هذا الحقل، فلننطلق إلى الحقل الثاني لنمّر عليه سريعاً. ومرورنا هذه المرة يكون من خلال قصة طريفة وقعت للمحقّق البحراني، نقلها بعض العلماء، ومفادها أنّ بعض فضلاء العراق، بعثوا إليه برسالة تتضمّن لومه على اعتزاله عن الناس، مع ما يتمتّع به من مهارة في العلوم، فكتب في جوابهم:
طلبتُ فنون العلم أبغي بها العُلا *** فقصّر بي عما سموتُ به القلُّ
تبيّن لي أنّ المحاسن كلَّها *** فروع، وأنّ المال فيه هو الأصل
فلم يرتضوا منه هذا القول، فكتب في جوابهم:
قد قال قوم بغير علم *** ما المرء إلاّ بأصغَرَيْهِ
فقلتُ قول امرىء حكيم *** ما المرء إلاّ بدرهميهِ
من لم يكن درهم لديه *** لم تلتفت عرسه إليهِ
ثم توجّه إلى العراق، ودخل إحدى حلقات الدرس بثيابه الخشنة الرثّة، فلم يلتفتوا إليه، ثم أخذوا في مناقشة مسألة دقيقة، فراح البحراني يجيب عنها بأجوبة جيدة، فلم يرتضوها، ولما حضر الطعام لم يشركوه فيه، وأفردوه بشيء منه.
ثم جاء في اليوم التالي بملابس فاخرة، ذات أكمام واسعة، فرحّبوا به، ثم جرى نقاش بينهم في إحدى المسائل، فتكلّم فيها صاحبنا بكلام غير علمي، فاستحسنوه، ولما حضرت المائدة بادروا إليه بالآداب، فألقى الشيخ كُمّه في الطعام، وقال لها (كُلي يا كُمّي)، فاستغربوا منه ذلك، فقال: أنتم إنّما أكرمتم أكمامي هذه الواسعة، وإلاّ فأنا صاحبكم بالأمس!!
[١] شرح نهج البلاغة: ١ / ٨٠ .