رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٩
وحوله أُغيلمه ، فأخذ النبيَّ أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ، ولاذَ إلى الغلام وما في السماء قزعة ، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدودق ، وانفجر له الوادي ، وأخصب النادي والبادي ، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل[١]
وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام ، بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب ، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة ممّا يحفظه أكثر الناس .
ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله)كان موضع رضاً منه(صلى الله عليه وآله) فإنّه بعدما بعث للرسالة استسقى للناس فجاء المطر وأخصب الوادي فقال النبي: لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه ، ومن ينشدنا قوله ؟ فقام علي (عليه السلام)وقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)كأنّك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل[٢]
إنّ التوسّل بالأطفال في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع ، قال الدكتور عبد الملك السعدي: من السنّة أن نُخرج معنا إلى الصحراء الشيوخ والصبيان والبهائم لعلَّ الله يسقينا بسببهم[٣] .
وهذا هو الإمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: «وأُحب أن يخرج الصبيان ، ويتنظفوا للاستسقاء ، وكبار النساء ، ومن لا هيبة منهنّ ، ولا أُحبّ خروج ذات الهيبة ، ولا آمر بإخراج البهائم»[٤] .
فما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن ، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم ؟ كل ذلك يعرب عن أنّ التوسّل بالأبرياء
[١] فتح الباري: ٢ / ٤٩٤ ; السيرة الحلبية: ١ / ١١٦ .
[٢] إرشاد الساري: ٢ / ٣٣٨ .
[٣] البدعة: ٤٩ .
[٤] الأُم: ١ / ٢٣٠ .