رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤١
بموضوع البحث، ولكنّه لو أمعن النظر في الآيات الناظرة إلى الحياة البرزخية لوقف على بعض خصوصياتها.
الشبهة الثانية: امتناع إسماع الموتى
قالوا: إنّ الله تعالى يقول: (فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى )[١]، وقال سبحانه: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)[٢]، وقال تعالى: (وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ )[٣].
والرسول (صلى الله عليه وآله)بعد أن توفّاه الله هو من الموتى ومن أهل القبور، فثبت أنّه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا وإن كان هو والأنبياء، لا يُبْلُون لأن الله قد حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولكنّهم أجساد بلا أرواح وهم أموات .[٤]
أقول: من أمعن النظر في هذه الآيات وما جاء بعدها وقبلها من الآيات الكريمة يقف على أنّ المراد نفي الانتفاع لا نفي الاستماع، بشهادة أنّ المشرك يسمع ولا ينتفع، فالموتى أيضاً يسمعون ولا ينتفعون، وإلاّ لاختل التشبيه، فإنّ أحد طرفيه يسمع ولا ينتفع فيجب أن يكون الطرف الآخر كذلك بمعنى أنّ المشركين والموتى سيّان يسمعون ولاينتفعون.
وقد بلغ مفاد الآية أعلى حدّ من الظهور فقد فسّر ابن قيّم الجوزية تلميذ ابن تيمية الآيات على نحو ما ذكرنا، وإليك نص كلامه: أمّا قوله تعالى: (وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ )فسياق الآية يدلّ على أنّ المراد منها أنّ الكافر الميّت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعاً ينتفع به، كما أن مَنْ في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعاً ينتفعون به، ولم يرد سبحانه أنّ أصحابَ القبور لا يسمعون شيئاً البتة، كيف وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله)أنّهم يسمعون خفق نعال المشيعين وأخبر أنّ قتلى
[١] الروم: ٥٢ .
[٢] النمل: ٨٠ .
[٣] فاطر: ٢٢ .
[٤] التوصل إلى حقيقة التوسل: ٢٦٧ .