رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢
تحليل الحديث
يلاحظ على الاستدلال أوّلاً: أنّه لا شك أنّ صحيح البخاري أصحّ من كتاب «الأدب المفرد» وقد نقله فيه بصيغة التمريض، وهذا يدل على عدم جزمه فلا يعادل ما في «الصحيح» ما نقله في «الأدب المفرد».
وثانياً: أنّ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي: يقول الله يا آدم ويقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.[١] فقوله: «فينادي» يقرأ على وجهين: بصيغة المعلوم فيكون المنادي هو الله ويصير كالشاهد على مذهب ابن تيمية، وبصيغة المجهول:«فيُنادى بصوت» فيكون نائب فاعله هو آدم، ومع هذا الاحتمال لا يمكن أن يستدل بمثل هذا الحديث على عقيدة يطلب فيها العلم.
ثالثاً: أنّ البخاري أخرجه في كتاب أحاديث الأنبياء عن أبي سعيد الخدري(رضي الله عنه)عن النبي باللفظ التالي: يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار... .[٢]
فقد ورد فيه: يقول الله تعالى مكان «فينادى بصوت» فصار الحديث مردداً بين التعبيرين ولا دلالة في التعبير الثاني على مرامه إذ هو نظير قوله سبحانه: (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم).[٣]
فتلخص مما ذكرنا أنّ الحديث لا يمكن الاحتجاج به من جهات:
أوّلاً: رواه البخاري في كتاب التوحيد عن جابر عن عبد الله بن أنيس بصيغة التمريض.
وثانياً: رواه البخاري أيضاً في كتاب التوحيد عن أبي سعيد الخدري بلفظ: فينادي، الذي يُحتمل فيه وجهان: صيغة المعلوم وصيغة المجهول.
[١] صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى:(ولا تنفع الشفاعة)برقم ٧٤٨٣.
[٢] صحيح البخاري، كتاب حديث الأنبياء، برقم ٣٣٤٨.
[٣] المائدة:١١٩.