رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٥٦
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)[١] فكأنّ الأُمّة المتفرّقة كالمتردي في البئر، حيث لا تكتب له النجاة إلاّ بالتمسّك بالحبل الموصول إليه، وهكذا الأُمّة المتفرّقة، لا تنجو من عواقب الفرقة إلاّ بالتمسّك بحبل الله سبحانه .
ونحن إذا أمعنا النظر في هذه الآية:(قُل هُوَ القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض انْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون)[٢]، نرى أنّه سبحانه جعل تفرّق الأُمّة إلى شيع، في عداد العذاب النازل من السماء! فأي بيان أفضل من هذا؟ كما نزّه سبحانه نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله) من أن يكون في عداد المفرّقين للدين فقال:(إنّ الّذينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إنّما أمْرُهُمْ إلَى اللهِ ثُمَّ يُنبِّئُهُمْ بِماكانُوا يَفْعَلُونَ).[٣]
ويقول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «والزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله مع الجماعة. وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب.ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه».[٤]
وعلى هذا، فالتقريب بين المسلمين و تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي، هو أُمنية كل مسلم واع ينبض للإسلام ومصالح المسلمين قلبه. ولأجل تحقيق هذه الأُمنية قام في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، رجال مخلصون من الشيعة والسنّة بتأسيس دار باسم «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وإصدار مجلة باسم «رسالة الإسلام» وقد نجحوا في أهدافهم نجاحاً باهراً يقف عليه كلّ من قرأ شيئاً من منشوراتهم، وما قدّموا للأُمّة من أفكار وآراء وأعمال صادقة تنمُّ عن إخلاصهم وتفانيهم في سبيل التقريب.
هذا ممّا لا نقاش فيه، ونحن نصافق أصحاب المبرة فيما يدعون إليه من
١. آل عمران:١٠٣.
٢. الأنعام:٦٥.
[٣] الأنعام:١٥٩.
٤. نهج البلاغة، الخطبة١٢٧.