رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٦
٣. التبرّك بأصحاب الكهف، فعندما يذكر الله سبحانه وتعالى أصحاب الكهف والرقيم في سورة الكهف يبتدئ ببيان قصتهم بالآية التاسعة ويختمها بالآية ٢٦.
وقد نزلت هذه الآيات لتشدّ قلوب المؤمنين وتثبت الإيمان فيها، وذلك بالوقوف على مصير أصحاب الكهف الذين تركوا متاع الحياة الدنيا وزينتها وهجروا مجتمعهم الغارق في الوثنية والتجأوا إلى كهف ضيّق موحش من أجل أن تبقى قلوبهم عامرة بالعقيدة الصحيحة، متوهّجة بحرارة الإيمان.
فلمّا علم سبحانه صدقهم وثباتهم في طريق التوحيد شملتهم عناية الله تبارك وتعالى فالتجأوا إلى الكهف، فأطبق الله سبحانه على آذانهم فناموا سنين طويلة ، وبذلك خلصوا من مكائد الملك وأعوانه الذين كانوا يروّجون الوثنية ويحاربون الموحّدين، فلمّا بعثهم الله سبحانه بعد مضي ثلاثة قرون وانكشف أمرهم للناس، وثبت أنّ وعد الله حق حيث إنّ إيقاظهم الّذي يشبه البعث والإحياء بعد إنامتهم الّتي تُشبه الموت، أقوى دليل على قدرته سبحانه على أن يبعث الناس يوم القيامة ثم إنّه بعدما تبيّن ما هو الغرض من إنامتهم وإيقاظهم أماتهم الله سبحانه واختلف الناس في حقّهم وفي شأنهم، فذهب فريق منهم إلى إغلاق باب الكهف وسترهم عن أعين الناس وجعلهم وراء البنيان وإلى هذا يشير قوله سبحانه: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)[١]، والقائلون بذلك هم الأقلية الوثنية، أرادوا بذلك أن يخفوا أمرهم لكي ينساه الناس ولا يتحدّثون به، وقالوا ـ تحقيراً بشأنهم ـ : (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)(٢)، وقال الفريق الآخر، أي : (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ )(٣)، أي على أمر القائلين بالاقتراح الأوّل: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)(٤) تتعبّدون فيه لله سبحانه تبركاً بتربتهم، وهذا يدل على أمرين:
١. جواز بناء المساجد على قبور الأولياء .
١ ـ٤. الكهف: ٢١ .