رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٧
به من قبل فقال: «من تعمّد عليّ كذباً فليتبّوأ بيتاً في النار».[١]
وكلّما ابتعد الناس عن عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كثر الوضع والدس في الحديث فنشرت سماسرة الهوى وأعداء الدين كل غث وسمين باسم الدين وباسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتّى أنّ الغلاة من الشيعة أدخلوا في الحديث ما ليس منه، ولذلك فقد تبرّأ منهم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) .
ولهذا وذاك قام المخلصون المتفانون في خدمة الحديث إلى وضع قواعد لتمييز الصحيح عن غيره، وركّزوا في ذلك على دراسة أسانيد الحديث فقسّموه إلى أقسام، وأسّسوا لذلك علماً باسم علم الرجال أوّلاً، والدراية ثانياً. فالأوّل يبحث عن الصغرى أي حال الراوي ومكانته في نقل الحديث، والثاني يبحث في تقسيم الحديث والأحكام الطارئة عليه، وبذلك قدّموا خدمات جليلة يقيّمها كل من له إلمام بالحديث.
غير أنّهم ركّزوا في تمحيص السنّة على دراسة الأسانيد وقسّموا الحديث باعتبارها إلى: الصحيح والحسن والموثّق والضعيف، كما قسّم آخرون الحديث بنفس هذا الملاك إلى الأقسام الثلاثة الأُولى، والكل يركّزون في دراستهم للحديث على سنده.
غير أنّ هناك طريقاً آخر في تمحيص السنّة قد ابتكره أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وتبعهم أكابر علماء الحديث من الشيعة، ألا وهو دراسة مضمون الحديث ونقده على ضوء مقاييس قطعية :
وليس نقد الحديث كنقد السند، فإنّ الثاني سهل لمن راجع المعاجم، ولكن الأوّل يتوقّف على الإحاطة بمعارف وعلوم كثيرة، ولذلك لما سُئل ابن قيّم الجوزية وقيل له: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فأجاب: هذا سؤال عظيم القدر وإنّما يعلم ذلك من تضلّع في معرفة السنن
[١] مسند أحمد: ١ / ٧٠ .