رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦١
والعقائد أيضاً وهو خارج عن موضوع بحثنا ـ أساس لاستنباط فروع فقهية في حقول خاصّة، أوضحها أصل البراءة من التكليف، وعدم وجوب الاحتياط عند الشك في التكليف لاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، فإذا لم يجد المستنبط دليلاً شرعياً على الحكم الشرعي، فالعقل يستقل بالبراءة من التكليف من غير فرق بين كون المحتمل وجوباً أو تحريماً، ومن حسن الحظ أنّ الشرع أيضاً عزّزه، قال سبحانه: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)[١]، وبعث الرسول كناية عن بيان الحكم.
كما أنّ العقل يستقل بحسن الاحتياط ووجوبه فيما إذا عُلم التكليف وجُهل المكلف به وتردد بين أمرين، فالعقل يحكم بالاحتياط لأنّ الاشتغال اليقيني بالحكم يقتضي البراءة اليقينية، إمّا بإتيان الأمرين إذا علم الوجوب وتردد المكلف به بين أمرين أو أكثر، أو ترك الأمرين إذا علمت الحرمة ولم يعلم المكلف به معيّناً، إلى غير ذلك من الآثار الشرعية للقول بالحسن والقبح العقليين.
إزاحة شبهة
ربّمـا يُتصـوَّر أنّ القـول بالتحسيـن والتقبيـح العقلييـن يـلازم التحكـم علـى الله سبحـانـه، وأنّـه يجب عليـه أن يفعـل كـذا لحسنـه أو أن لا يفعـل كـذا لقبحـه، ومن المعلـوم أنّ التحكـم من العبـد الذليـل بالنسبـة إلى المـولى العـزيز أمر قبيح جدّاً.
ولكن المستشكل لم يفرق بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، والباطل هو الأوّل فإنّه سبحانه مولى الجميع والناس عباد له، وليس لأحد أن يحكم عليه سبحانه بشيء إذ هو مختار على الإطلاق، وأمّا الإيجاب الاستكشافي فهو بمعنى أنّ العقل يستكشف من خلال صفاته سبحانه ـ ككونه حكيماً عادلاً
[١] الإسراء:١٥.