رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٧
جذعة، عاضّ على ذنبه، فقال (عليه السلام) : بما صنعت، صرف عنك هذا.[١]
أقول: إنّ الإخبارات الصادرة من الأنبياء لأجل اتّصالهم باللوح الثاني الذي في معرض التغيّر والتبدّل كثيرة مبثوثة في الكتب، فيخبرون لمصالح حسب ما يقتضي المقتضي مع احتمال تغيّرها حسب توفّر الشروط وعدمها أو الموانع وعدمها.
إطلاق البداء على الله سبحانه
لاشك أنّ إطلاق البداء على الله سبحانه بالمعنى اللغوي غير صحيح، لكن وصفه سبحانه به من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فإنّه سبحانه يعبّر عن فعل نفسه في بعض الموارد بما يعبّر به الناس عن فعلهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية بين الفعلين، وإليك نماذج من هذا النوع من الاستعمال :
يقول سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ)[٢].
ويقول: (وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[٣].
وقال عزّ من قائل: (وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[٤].
وقال عز اسمه: (وَ قِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)[٥].
إذ لا شك أنّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّها من صفات الإنسان الضعيف، ولكنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الإنسان من باب المشاكلة، والجميع كناية عن إبطال خدعهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة الله سبحانه وبالتالي عن جنته ونعيمها.
وعلى ضوء ذلك فلا غرو في أن نعبّر عن فعله بما نعبّر عن أفعالنا، إذا كان
[١] بحار الأنوار:٤/٩٤.
[٢] النساء: ١٤٢ .
[٣] آل عمران: ٥٤ .
[٤] الأنفال: ٣٠ .
[٥] الجاثية: ٣٤.