رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٧
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجودُ والكرمُ
ثم استغفر وانصرف .
فرقدت فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله)في نومي وهو يقول: ألحقِ الرجل فبشّره بأنّ الله قد غفر له بشفاعتي. فاستيقظت فخرجت أطلبه، فلم أجده .[١]
أقول: إنّ الأعرابي أدرك بسلامة فطرته أنّ الآية الكريمة الّتي تدعو المسلمين إلى المجيء إلى النبي (صلى الله عليه وآله)حتّى يطلبوا منه الاستغفار لهم، ليست خاصّة بحياة النبي (صلى الله عليه وآله)بل تعمّ الحياة الأُخروية، فلأجل ذلك قام يطلب من النبي (صلى الله عليه وآله)أن يستغفر له.
وقد ذكر المؤرخون قضايا كثيرة من المسلمين ـ من الصحابة والتابعين إلى غيرهم ـ كانوا يتوسّلون بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله، وقد ذكر السمهودي شيئاً كثيراً من هذه القصص والآثار، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابه وفاء الوفا .[٢]
ولعل هؤلاء فهموا جواز التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)بعد رحيله من قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما).
وقد أوضح السبكي دلالة الآية على جواز التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله)في حالتي حياته وبعد رحيله; فقال في الباب الخامس: في تقرير كون الزيارة قربة، وذلك بالكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس: أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)، ثم قال بعد مقدمة : فقد ثبت على كل تقدير أنّ الأُمور الثلاثة المذكورة في الآية ]يعني: المجيء، واستغفار المؤمنين، واستغفار الرسول (صلى الله عليه وآله)لهم [، حاصلة لمن
[١] مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: ٢ / ٤٠٨ ; المواهب اللدنية: ٤ / ٥٨٣ ; وفاء الوفا: ٤ / ١٣٦١; شفاء السقام: ١٥١، ط. مصر، ١٤١٩ هـ وغيرها.
[٢] وفاء الوفا: ٤ / ١٣٥٤ ـ ١٣٦٣ .