رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢١
ومَن قرأ تبرّك الصحابة بآثار النبي يقف على أنّ تلك المحاولة ليست إلاّ لرأي مسبق ودعماً للمذهب ولم تكن هذه المحاولة وما تقدّمها في خلد أي صحابي يتبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله).
وثانياً: أنّ كثيراً من الأعمال الّتي يمارسها المسلمون في الحرمين الشريفين من تقبيل الضريح والجدران والأبواب وأركان البيت وغير ذلك كله تجسيد منهم لحبّ الله وحبّ رسوله الّذي أمر سبحانه به في قوله: (إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[١] .
وأمر في آية أُخرى بتوقير النبي (صلى الله عليه وآله)إلى جانب الإيمان به ونصرته واتّباعه وقال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[٢]، والمراد من التعزير هو تكريمه وتوقيره، وبما أنّ يد المحبين لا تصل إلى يد النبي (صلى الله عليه وآله)حتّى يقبّلونها، يقبّلون ما له، به صلة، وهذه هي العادة السائدة بين العقلاء فيقبّل الولد ما ورثه من الآباء من ألبسة وكتب وأقلام وتصاوير، وكأنّ منطق الجميع منطق مجنون ليلى العامرية:
أمر على الديار ديار ليلى *** أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وماحب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا[٣]
وقد عدّ البيهقي محبة النبي من شعب الإيمان [٤]، كما عقد مسلم في صحيحه باباً باسم توقيره (صلى الله عليه وآله)وترك إكثار سؤاله عمّا لا ضرورة إليه [٥] .
[١] التوبة: ٢٤ .
[٢] الأعراف: ١٥٧ .
[٣] مرّ مصدر البيتين ص ٧٩.
[٤] شعب الإيمان: ٢ / ١٢٩ .
[٥] صحيح مسلم: كتاب الفضائل، الباب ٣٧ .