رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٢
وترك الطاعة مع قدرته عليهما.[١]
ويقرب من هذين التعريفين، ما عرّفه غير واحد من علماء الكلام.[٢]
وهذه التعاريف توقفنا على حقيقة العصمة، وأنّها ليست أمراً اكتسابياً، بل هي موهبة من الله سبحانه لمن فيه قابلية ذلك الفيض وتلك الموهبة، وهذا ممّا لا بحث فيه، وإنّما الكلام هو في منشأ هذه العصمة، وبعبارة أُخرى: من أي مقولة هي؟
العصمة من مقولة العلم الرادع
الحق أنّ العصمة نوع من العلم يفاض منه سبحانه على من اختاره الله سبحانه فيمنعه عن ارتكاب المعصية أو الوقوع في الخطأ، بل ويردعه عن التفكير في كلّ ذلك، فضلاً عن العمل، وذلك أثر العلم وخاصيته، فإنّ العلم النافع والحكمة البالغة يوجبان تنزّه صاحبهما عن الوقوع في مهالك الرذائل، والتلوث بأقذار المعاصي، وذلك ممّا نشاهده في رجال العلم والحكمة من أهل الدين والتقى، غير أنّ سببية (العلم العادي) سببية غالبية لا دائمية.
وإن شئت قلت: هو مقتض للتنزّه عن المعاصي، كما هو شأن سائر الأسباب الموجودة في عالم المادة، وعلى ذلك فكلّ متلبّس بالكمال، يحجزه ذلك الكمال عن النقص، ويصونه عن الخطأ حسب قوته وشدته.
هذا هو شأن(العلم) وأثره، غير أنّ القوى الشعورية والغريزية الأُخرى ربّما توجب مغلوبية (العلم) وتنفي أثره، أو توجب ضعفه، فصاحب ملكة التقوى ـ مثلاً ـ مادام يشعر بتلك الفضيلة ويخضع لتلك الملكة فهو لا يميل إلى الشهوة غير المرضية، وإنّما توجب أن يجري صاحبها على مقتضى تقواه، غير أنّ اشتعال نار الشهوة، ربما أوجب تغلّب الشهوة على ذلك الشعور الديني، فلا يلبث دون أن
[١] النكت الاعتقادية:٤٥.
[٢] لاحظ تعاليق أوائل المقالات:٣٠.