رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٤
إلاّ أنّ تسمية ذلك لطفاً بالمعنى المصطلح مشكل، إذ ليس فيه شيء يقرب من الطاعة ويبعد من المعصية، غاية الأمر أنّ الشرع يرفع الجهل عمّا يقرّب. نعم هو لطف بالمعنى العام.
٥. الكشف عن المصالح والمفاسد
لاشك ـ عند العدلية ـ أنّ الأحكام الشرعية بأسرها مبنية على المصالح والمفاسد في نفس المأمور به، وشذ من اكتفى في المورد بوجود المصلحة في الأمر، فإنّ مواضعها قليلة جدّاً، ولكن مناطات الأحكام قد تكون معلومة، وأُخرى مجهولة، وعلى كل تقدير فلصيانة فعل الشارع عن اللغو لا محيص من القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الكامنة في المتعلّق، قال سبحانه: (إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ )[١] هذا من جانب .
ومن جانب آخر إن العقل يحثّ على تحصيل المصالح والمفاسد، غير أنّه لا يمكنه أن يحدد مواضعها. فإذا حكم الشارع بوجوب شيء ونهى عن شيء آخر فقد أظهر للعقل ما يبتغيه من التعرّف على المصالح والمفاسد، فيكون حكم الشارع ألطافاً في الحكم العقلي.[٢]
يرد عليه: أنّه ليس لطفاً بالمعنى المصطلح، بل هو لطف بالمعنى العام .
وحقيقة الكلام: أنّ القاعدة يمكن أن تكون صحيحة في عامة الموارد الخمسة الّتي مرّ تفصيلها، دون أن تختصّ بمورد دون غيره، بشرط أن يريد من اللطف المعنى الأعم وهو استعانة العقل بالشرع، وعندئذ يصلح أن يقال:
إنّ العقل مع أنّه حجّة في باب المعارف، ولكنّه غير مستغن عن السمع حتّى في تلك المواضع، ولولا هداية الوحي الإلهي المنزّل على الأنبياء الإلهيين وخلفائهم المعصومين في ذلك المجال، لما استطاع العقل من تسلّق قمة
[١] العنكبوت: ٤٥ .
[٢] بحر الفوائد: ٢ / ١٥٤، بتوضيح منا.