رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٤
المعصية والخطيئة.[١]
وممّا يقرب كون العصمة من مقولة العلم هو أنّه ربما يبلغ العلم في الأفراد العاديين مرتبة يوجب إيجاد العصمة في آحاد الناس في بعض الموارد، ولذلك لا يمسّ الإنسان العاقل بيده الأسلاك الكهربائية ولا يلقي بنفسه أمام السيارة المتحركة، لعلمه بأنّ في ذلك هلاكه وموته.
فلو بلغ علم الإنسان في جميع المجالات إلى هذه المرحلة لصار معصوماً ومصوناً من كلّ المعاصي، وعاد مثالاً لقوله سبحانه:(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين* لَتَرُونَّ الْجَحيم* ثُمَّ لَتَروُنَّها عَيْنَ الْيَقِين).[٢]
العصمة لا تسلب الاختيار عن صاحبها
وممّا يجب التنبيه عليه هو أنّ صاحب العصمة ـ مع ماله من تلك الموهبة الإلهية العظيمة ـ قادر على ارتكاب المعصية وإن كان لا يختارها، وهذا يعني أنّ العلم الإلهي المذكور لا يوجب سلب الاختيار عن صاحبه.
وإن شئت قلت: إنّ صاحب العصمة وإن كانت لا تصدر منه المعصية قط إلى آخر عمره، إلاّ أنّ عدم الصدور ليس بمعنى كونه مجبوراً على الترك، ومضطراً إلى الطاعة بل (المعصوم) قادر على كلا الطرفين: الفعل والترك، ويختار الطاعة على المعصية بإرادته واختياره، وسنوضح ذلك بالمثال التالي:
لا شكّ أنّ قدرته سبحانه عامة تشمل قدرته على القبائح كقدرته على الحسن، غير أنّه لا يصدر منه القبيح قط في زمن من الأزمان، ولأجل ذلك نرى عمومية قدرته لكلّ شيء، ونرى في جانبه عدم صدور القبيح منه سبحانه، إذ لو لم يقدر على القبيح لما صح قولنا: إنّه على كلّ شيء قدير.
ونظيره المعصوم المصون من القبائح فهو يعصم نفسه طيلة حياته من أي
[١] لاحظ الكافي:١/٢٧٣، والميزان:٥/٨٠.
[٢] التكاثر:٥ـ٧.