رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦
العالمين).[١] وأشار بقوله: (أو يرسل رسولاً) إلى الإلقاء الذي يتوسط فيه ملك الوحي.
وأمّا إذا كان المخاطب عامّة الناس في عامة الأجيال والأعصار فيفسّر كلامه بصورة أُخرى يسمعه كل الناس سماعاً عقلياً وسماعاً يضفي على الإنسان التعرّف على كمال الله سبحانه، وهذا ما سنشرحه تالياً.
لا شكّ أنّ الكلام في أنظار عامّة الناس هو الحروف والأصوات الصادرة من المتكلم القائمة به وهو يحصل من تموّج الهواء واهتزازه بحيث إذا زالت الأمواج زال الكلام معه، ولكن الإنسان يتوسّع في إطلاقه، فيطلقه على كلّ فعل من أفعال المتكلم إذا أفاد نفس الأثر الذي كان يفيده الكلام اللفظي.
فالكلام وإن وضع يوم وضع للأصوات والحروف المتتابعة الكاشفة عمّا يقوم في ضمير المتكلم من المعاني إلاّ أنّه لو وجد هناك شيء يفيد ما تفيده الأصوات والحروف المتتابعة بنحو أعلى وأتمّ، لصحّت تسميته كلاماً أو كلمة وهذا الشيء الذي يمكن أن يقوم مقام الكلام اللفظي هو فعل الفاعل الذي يليق أن يسمّى بالكلام الفعلي، ففعل كل فاعل يكشف عن مدى ما يكتنفه الفاعل من العلم والقدرة والعظمة والكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على السرائر والضمائر وضعية، ودلالة الأفعال والآثار على ما عليه الفاعل من العظمة تكوينية.
ويمكن أن يستدلّ على هذا القسم من الكلام ببعض الآيات. يقول سبحانه: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحق إنّما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه).[٢]ترى أنّه سبحانه يصف المسيح بكونه كلمته، لأنّ تولده بلا لقاح يعرب عن قدرة خالقه، وهكذا كلّ ما في الكون من الذرة إلى المجرّة، فالجميع كلامه ولسانه في مقام الفعل يتكلّم بلسان
[١] القصص:٣٠.
[٢] النساء:١٧١.